المطففين · الآية 23

﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ

«عَلَى الْأَرَائِكِ»: مَحَلٌّ يُمسِكُ ما استَقَرَّ فيه

كانوا في الآيةِ قَبلَها «في»، وهُم في هذه «على»، فالحَرفانِ في آيَتَينِ مُتَتالِيَتَينِ يَضَعانِهِم مَوضِعَينِ في وَقتٍ واحِد، فهُم مُحاطونَ بِما لا يُرى لَه طَرَف، مَرفوعونَ على ما يُرى ويُلمَس.

والأرائكُ أصلُها أ-ر-ك، وهو احتِباسٌ يُمسِكُ بِلا ضَغطٍ ثُمَّ يَغورُ فيه ما اطمَأَنَّ إلَيه، فالأريكةُ سَطحٌ يُجلَسُ عَلَيه، وهي مَعَ ذلك مَوضِعٌ يَقبَلُ البَدَنَ فيَهبِطُ فيه ويَحتَبِس، وما ثَقُلَ عَلَيها لم يَنزَلِقْ عَنها.

وقُدِّمَ المَوضِعُ على الفِعل، فجاءَ «عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ» دونَ «يَنظُرونَ على الأرائك»، فأقامَتهُمُ الآيةُ أوَّلاً ثُمَّ أطلَقَت أبصارَهُم، فالاستِقرارُ قَبلَ النَّظَر، والنَّظَرُ الذي لا قَرارَ تَحتَه قَلَق.

«يَنظُرُونَ»: فِعلٌ مُوَجَّهٌ تُترَكُ جِهَتُه

والنَّظَرُ مادَّتُه ن-ظ-ر، وهي ما يَنبَعِثُ من باطِنِ صاحِبِه فيَغشى الشَّيءَ ويَجري عَلَيه مُمتَدّاً، فهو إرسالٌ لِلعَينِ أو القَلبِ إلى الشَّيءِ ومَدٌّ لَه عَلَيه، غَيرُ الرُّؤيةِ العابِرة.

ثُمَّ تُختَمُ الآيةُ عِندَ الفِعلِ ولا يُذكَرُ لَه مَنظورٌ إلَيه، فهو فِعلٌ شَحنَتُه كُلُّها في التَّوجيه، وقد تُرِكَ بِلا جِهةٍ مَذكورة، وعِلّةُ ذلك أنَّ كُلَّ جِهةٍ صارَت مَفتوحة، وليسَت نُقصاناً في الجِهة.

وتَعودُ الكَلِمَتانِ بِنَصِّهِما في خِتامِ السّورة، ويَتَقَدَّمُهُما هُناكَ ما يَملَأُ الفَراغ، فالمَوضِعُ الواحِدُ يُقالُ مَرَّتَين، مَرّةً والنَّظَرُ مُطلَق، ومَرّةً ولَه ما يَقَعُ عَلَيه، ومَن جَلَسَ حَيثُ لا يَنزَلِقُ نَظَرَ حَيثُ لا يُحَدّ.


حَصيلة

يَتَعاقَبُ على القَومِ أنفُسِهِم حَرفان: «في» في الآيةِ قَبلَها، وقد أحاطَ بِهِم، و«على» هُنا، وقد رَفَعَهُم. والأرائكُ من أ-ر-ك، احتِباسٌ يُمسِكُ ما غارَ فيه فلا يَنزَلِقُ عَنه، ولِذلك قُدِّمَت على الفِعل، فالاستِقرارُ ثُمَّ النَّظَر. و«يَنظُرون» من ن-ظ-ر، إرسالٌ لِلبَصَرِ إلى الشَّيءِ ومَدٌّ لَه عَلَيه، وقد جاءَ فاصِلةً بِلا مَنظورٍ إلَيه، فالآيةُ تُعطي فِعلَ التَّوجيهِ وتَحبِسُ عنه التَّعيين، ويَبقى النَّظَرُ مَبسوطاً كَما بُسِطَ النَّعيمُ قَبلَه بِلا تَعريف.