المطففين · الآية 24

﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ

«تَعْرِفُ»: خِطابٌ يَلتَفِتُ إلى واحِد، ومَعرِفةٌ لا رُؤية

كانَ الكَلامُ عنهُم، ثُمَّ صُرِفَ إلى المُخاطَب، فـ«تَعرِفُ» فِعلٌ لِمُخاطَبٍ مُفرَد، يَدخُلُ في وَسَطِ المَشهَدِ فيُعطي القارِئَ عَمَلاً فيه، فيوصَفُ لَه القَومُ، ويوضَعُ هو مَعَ ذلك حَيثُ يُمَيِّزُهُم.

والمَعرِفةُ في ع-ر-ف عُمقٌ يَجري حتّى يَنفَتِحَ فيُمَيِّز، وهي غَيرُ الرُّؤية، فالمَرءُ يَرى ما لم يَرَه قَطُّ من قَبل، ولا يَعرِفُ إلّا ما لَه بِه عَهد. وقد عُدِلَ عن «تَرى في وُجوهِهِم» إلى «تَعرِف»، فالعَلامةُ مَقروءةٌ لِمَن يَعلَمُ عَلامةَ ماذا هي.

«فِي وُجُوهِهِمْ»: في، لا على

والوَجهُ أصلُه و-ج-ه، اتِّجاهٌ يَتَجَمَّعُ ويَتَجَلّى بِرِقّة، وهو الجِهةُ التي يُقبِلُ بِها الكائِنُ كُلُّه، فهو أشَدُّ ما في الإنسانِ إقبالاً، وأقَلُّ ما فيه احتِمالاً لِلسِّتر.

ثُمَّ جاءَ الحَرفُ «في» دونَ «على»، فالمَذكورُ هُنا شَيءٌ قائِمٌ في الوَجهِ يَطفو إلى سَطحِه، وليسَ طَبَقةً وُضِعَت فَوقَه. ويَقَعُ نَقيضُه في هذه السّورةِ نَفسِها بِالحَرفِ الآخَر: رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، فهُناكَ غِشاءٌ يَركَبُ الباطِنَ من فَوق، وهُنا رِيٌّ يَصعَدُ من الباطِنِ إلى الظّاهِر، وهُما أثَرانِ على سَطحَين، أحَدُهُما يُغَطّي والآخَرُ يَنكَشِف.

«نَضْرَةَ النَّعِيمِ»: الأثَرُ يُنسَبُ إلى صاحِبِه لا إلى مَحَلِّه

والنَّضرةُ من ن-ض-ر: انبِعاثٌ من الباطِنِ يَنبَسِطُ بِثِقَلٍ ثُمَّ يَجري على السَّطحِ فيَنِدى، فهي رِيٌّ لا طِلاء، وما لم يُروَ في جَوفِه لا يَنضُرُ ظاهِرُه.

ثُمَّ الإضافة، فقد جاءَ «نَضرةَ النَّعيم» ولم يَجِئْ «نَضرةَ وُجوهِهِم»، فالوَجهُ مَوضِعُ الأثَرِ لا مالِكُه، والنَّضرةُ لِلنَّعيمِ يَضَعُها حَيثُ تُقرَأ. ولِذلك دَخَلَتِ الألِفُ واللّامُ على «النَّعيم» هُنا وقد كانَ نَكِرةً قَبلَ آيَتَين، فقد بَدَأَ مَجهولَ الحَدِّ، فلَمّا ظَهَرَ أثَرُه عُرِف.

والمُخاطَبُ يَعرِفُ النَّعيمَ ولم يَدخُلْه، وتَبلُغُه عَلامَتُه من وَجهِ صاحِبِه.


حَصيلة

يَلتَفِتُ الخِطابُ إلى مُفرَدٍ فيُعطيه عَمَلاً في المَشهَد، وذلك في «تَعرِف»، وهي من ع-ر-ف عُمقٌ يَجري حتّى يُمَيِّز، وقد أوثِرَت على الرُّؤية، لأنَّ المَعرِفةَ تَقتَضي عَهداً سابِقاً بِالعَلامة. والمَحَلُّ «في وُجوهِهِم» بِـ«في» دونَ «على»، والوَجهُ من و-ج-ه الجِهةُ التي يُقبِلُ بِها الكائِنُ كُلُّه، فالأثَرُ قائِمٌ فيه يَطفو، غَيرُ مَوضوعٍ عَلَيه كَما يَركَبُ الرَّينُ القُلوبَ في هذه السّورةِ من فَوق. و«نَضرة» من ن-ض-ر رِيٌّ يَنبَعِثُ من الباطِنِ فيَجري على السَّطح، وهي مُضافةٌ إلى «النَّعيم» لا إلى الوُجوه، فالعَلامةُ لِمَن أنزَلَها، والوَجهُ صَفحةٌ تُقرَأُ عَلَيها. ودَخَلَ التَّعريفُ على «النَّعيم» بَعدَ تَنكيرِه بِآيَتَين، فما لم يُحَدَّ حينَ ذُكِرَ عُرِفَ حينَ ظَهَرَ أثَرُه.