المطففين · الآية 8

﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ

«وَمَا أَدْرَاكَ»: سُؤالٌ يَسحَبُ الطُّرُقَ كُلَّها من تَحتِ السّامِع

الدِّرايةُ من د-ر-ي عِلمٌ يُنالُ بِالتَّتَبُّع، ولَيسَت خَبَراً يُلقى في الأُذُن، فصاحِبُها يَقتَفي الأثَرَ ويُعاوِدُ المَوضِعَ حتّى تَستَقِرَّ الصّورةُ في نَفسِه، والصَّيّادُ يَدري الصَّيدَ بِعَلاماتِه، دونَ أن يُقالَ لَه. فالجِذرُ يُسَمّي العِلمَ القادِمَ من طَريقِ القَرينة.

ثُمَّ تَدخُلُ «ما» على هذا الطَّريقِ فتَقطَعُه، والمُرادُ بِالسُّؤالِ رَفعُ كُلِّ قَرينةٍ يُمكِنُ أن يَبنيَ عَلَيها المُخاطَب، ولم يُرَدْ بِه طَلَبُ إجابةٍ مِنه. وقَد رَأى النّاسُ سِجناً وحَبساً وقُيوداً، فلَو تُرِكوا لَقاسوا، فجاءَ السُّؤالُ يُعلِمُهُم أنَّ ما عِندَهُم لا يوصِلُ إلى هذا، وأوَّلُ ما تَصنَعُه الآيةُ أنَّها تُفَرِّغُ اليَد.

«مَا سِجِّينٌ»: الوِعاءُ يَصيرُ هو المَسؤولَ عنه

كانَت في الآيةِ قَبلَها مَجرورةً بِـ«في»، ظَرفاً يُمسِكُ غَيرَه، وهي هُنا مَرفوعةٌ قائِمةٌ بِنَفسِها، وقد صارَ الوِعاءُ مَوضوعَ السُّؤال، ونَقَلَت حَرَكةُ إعرابٍ واحِدةٌ الكَلِمةَ من حاشِيةِ الخَبَرِ إلى مَتنِه.

ولَيسَت «ما» في المَوضِعَينِ من الآيةِ واحِدة، فالأُولى تَنزِعُ، والثّانيةُ تَسأَل، فتَقَعُ الكَلِمةُ بَينَ نَزعٍ وسُؤال، خالِيةَ اليَدِ مَفتوحةَ الأُذُن، وهي الهَيئةُ التي يُرادُ لِلسّامِعِ أن يَبلُغَها قَبلَ الجَواب، وانتِظارُه لا يَطول، فالآيةُ التّاليةُ كَلِمَتان.


حَصيلة

الجِذرُ د-ر-ي عِلمٌ يُبلَغُ بِتَتَبُّعِ الأثَرِ حتّى يَستَقِرّ، و«أدرى» على أفعَلَ جَعلُ الغَيرِ بالِغاً ذلك، فقَولُه «وما أدراكَ» يَرفَعُ كُلَّ قَرينةٍ يَملِكُها المُخاطَب، فلا سِجنٌ رآه ولا حَبسٌ عَرَفَه يَبلُغُ بِه هذا. ثُمَّ تُعادُ «سِجِّينٌ» مَرفوعةً بَعدَ أن كانَت مَجرورةً بِـ«في»، فيَنتَقِلُ الظَّرفُ من حاشِيةِ الخَبَرِ إلى مَوضِعِ المَسؤولِ عَنه. و«ما» تَقَعُ مَرَّتَينِ في ثَلاثِ كَلِمات، واحِدةٌ تَنزِعُ وواحِدةٌ تَسأَل. فالآيةُ لا تُخبِرُ بِشَيءٍ وتَصنَعُ كُلَّ شَيء، فهي تُفَرِّغُ اليَدَ لِتُملَأَ في الآيةِ التي تَليها.