المطففين · الآية 7

﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ

«كَلَّا»: كَلِمةٌ تُغلِقُ باباً قَبلَ أن يُفتَحَ آخَر

سَبَقَ هذه الآيةَ سُؤالٌ مَفتوح: أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ﴾، ثُمَّ مَشهَدُ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فجاءَت «كَلَّا» تَقطَعُ على الظَّنِّ طَريقَه، وهي رَدعٌ يَمنَعُ المُقَدِّرَ أن يُقَدِّر، ولَيسَت جَواباً بِنَعَم ولا بِلا.

وهي أوَّلُ «كَلَّا» في السّورة، وتَعودُ بَعدَها ثَلاثاً، والكَلِمةُ قائِمةٌ على عَتَبة، خَلفَها كَيلٌ يُنقَص، وأمامَها كِتابٌ يُمسَك، وما بَعدَ الرَّدعِ يُبَيِّنُ أينَ يَستَقِرُّ النَّقص.

«كِتَابَ الْفُجَّارِ»: خَبَرُهُم مُضافٌ إلَيهِم لا مَحمولٌ عَلَيهِم

والكِتابُ من ك-ت-ب، وهو شَيءٌ يُحبَسُ بِضَغطٍ دَقيقٍ ويَتَّصِلُ بِمَحَلِّه فيَتَمَسَّكُ بِه، يُمسِكُ ما كانَ يَذهَبُ مَعَ الصَّوتِ ويَصِلُه بِصَحيفَتِه، ومِنه كَتبُ القِربةِ حينَ تُخرَزُ فتُسَدُّ مَنافِذُها. فالكِتابُ في الجِذرِ هَيئةُ إمساكٍ تَمنَعُ التَّسَرُّب، غَيرُ الوَرَقِ الذي يُتَخَيَّل. والإضافةُ تُلصِقُه بِأصحابِه، فهو كِتابُهُم هُم، ولَيسَ صَحيفةً تَأتيهِم من خارِج.

و«الفُجّار» من ف-ج-ر، ومَعناه شَقٌّ في حاجِزٍ يَنبَثِقُ عَنه المَحبوسُ ثُمَّ يَجري، ومِنه الفَجرُ يَشُقُّ اللَّيلَ فيَنسابُ مِنه الضَّوء، والصَّخرةُ تَنفَجِرُ فيَخرُجُ ماؤُها دُفعة. فالفاجِرُ في الجِذرِ مَن شَقَّ الحَدَّ ثُمَّ استَرسَلَ فيما وَراءَه، لا مَن ضَلَّ الطَّريق، وصيغةُ فُعّالٍ تَجعَلُ الشَّقَّ مُلازِماً غَيرَ عارِض.

«لَفِي سِجِّينٍ»: مُمسِكٌ لا يُرخي، ولَم يُقَلْ بَعدُ ما هو

ودَخَلَت لامُ التَّوكيدِ ثُمَّ «في»، فالكِتابُ مَظروفٌ غَيرُ مَنشور. و«سِجّين» من س-ج-ن، وهو حَصرٌ ضَيِّقٌ يَحتَبِسُ في جَوفٍ فلا يُفلِتُ ما فيه، ومِنه السِّجنُ، أي مَوضِعُ الإمساكِ الذي لا يُخرَجُ مِنه، والبِناءُ على فِعّيلٍ يُشَدِّدُ الجيمَ فيُكَثِّفُ الإمساك.

وهُنا يَظهَرُ التَّقابُلُ كامِلاً، فقَومٌ صِفَتُهُمُ الشَّقُّ جُعِلَ خَبَرُهُم في ما لا يَنشَقّ، والحاجِزُ الذي فُتِحَ مَرّةً بَعدَ مَرّةٍ مُغلَقٌ هُنا على أمرِهِم، ومَن جَعَلَ الحُدودَ تَنفَتِحُ لَه وَجَدَ حَدّاً واحِداً لا يَنفَتِح.

وجاءَت «سِجِّينٍ» نَكِرةً غَيرَ مَوصوفةٍ بِشَيء، فلَم تُعَرَّفْ ولم تُنسَبْ إلى جِهة، وقد تَرَكَتها الآيةُ مُبهَمةً، ثُمَّ سَألَت عَنها في الآيةِ التّالية، ثُمَّ أجابَت في التي بَعدَها. فالإبهامُ هُنا مَوقوتٌ بِآيَتَين، ومَنِ انتَظَرَ آيَتَينِ لم يَحتَجْ أن يَملَأَ الفَراغَ بِنَفسِه.


حَصيلة

تُفتَتَحُ الآيةُ بِـ«كَلَّا» فتُغلِقُ الظَّنَّ الذي فُتِحَ قَبلَها، ثُمَّ يَجيءُ الخَبَرُ مُؤَكَّداً بِـ«إنَّ» واللّامِ مَعاً. والكِتابُ من ك-ت-ب شَيءٌ يُحبَسُ بِضَغطٍ دَقيقٍ ويَتَّصِلُ بِمَحَلِّه فيَتَمَسَّكُ بِه، وقد أُضيفَ إلى أصحابِه ولم يُحمَلْ عَلَيهِم. والفُجّارُ من ف-ج-ر شَقّاقونَ لِلحاجِزِ يَستَرسِلونَ فيما وَراءَه، والفَجرُ نَفسُه شَقٌّ يَنسابُ مِنه الضَّوء. ثُمَّ يوضَعُ كِتابُهُم «في سِجّين»، وأصلُ س-ج-ن حَصرٌ في جَوفٍ يُمسِكُ فلا يُفلِت، وبِناءُ فِعّيلٍ يُكَثِّفُ ذلك الإمساك، وهي نَكِرةٌ لم تُوصَفْ ولم تُنسَبْ، وسَتَسألُ الآيةُ التّاليةُ عَنها بِنَفسِها. ومَن شَقَّ الحُدودَ استَقَرَّ خَبَرُه في مُمسِكٍ لا يَنشَقّ.