الانشقاق · الآية 14

﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ

«إِنَّهُ ظَنَّ»: تَعليلٌ ثانٍ يُبنى على الأوَّل

تُعادُ «إنّه» بَعدَ «إنّه»، والأداةُ والضَّميرُ كما هُما، في إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ثُمَّ في هذه الآية، فالأولى تَضَعُ حالَه، والثّانِيةُ تَضَعُ ما استَقَرَّ في باطِنِه.

وبَينَهُما تَرتيبٌ يُسمَع، سُرورٌ في حَيِّزٍ ثُمَّ ظَنٌّ بِأن لا خُروجَ من الحَيِّز، ولا تَقولُ الآيةُ إنَّ أحَدَهُما أنتَجَ الآخَر، وإنَّما وَضَعَتهُما مُتَجاوِرَينِ بِأداةٍ واحِدةٍ مُكَرَّرة، وتَرَكَتِ الجِوارَ يَعمَل.

«ظَنَّ»: إطباقٌ يَستَقِرُّ في الباطِن

الجِذرُ ظ-ن-ن ما يَستَقِرُّ في الباطِنِ تَحتَ غِطاءٍ غَليظٍ ويَرِنُّ فيه رَنيناً لَطيفاً، فالظَّنُّ في الجِذرِ حُكمٌ تُحَدِّثُ بِه النَّفسُ صاحِبَها، وأمّا التَّرَدُّدُ الخَفيفُ الذي يَمُرُّ على السَّطحِ فلَيسَ من مَعناه.

ولِذلك جاءَ ها هُنا عِلّةً لِحالٍ لا خاطِراً عابِراً، وما استَقَرَّ في الباطِنِ هو الذي يُحَرِّكُ الظّاهِر. والفِعلُ ماضٍ كما كانَ «كَانَ» ماضِياً، فهُما طَبَقتانِ قَديمَتانِ لا حادِثَتان.

«أَن لَّن يَحُورَ»: المَظنونُ نَفيٌ لا إثبات

و«أَن» مُخَفَّفةٌ من الثَّقيلة، و«لَّن» نَفيٌ لِلمُستَقبَلِ مُؤَكَّد، فالذي امتَلَأَ بِه باطِنُه نَفيٌ لا خَبَرٌ مُثبَت، ومَضمونُه أن لا شَيءَ بَعد.

وح-و-ر تَضييقٌ يَحتَوي في باطِنِه جَرَياناً مُستَرسِلاً فلا يُجاوِزُه، فيَمضي الجاري داخِلَ ما يَحتَويه حتّى يَعودَ إلى مَبدَئِه، ومِنه «حارَ» بِمَعنى رَجَعَ بَعدَ ذَهاب، و«المِحوَر» وهو ما يَدورُ عَلَيه الشَّيءُ فيَعود، و«المُحاوَرة» وهي قَولٌ يَرجِعُ بَينَ طَرَفَينِ مَرَّةً بَعدَ مَرّة.

فالمَنفيُّ في ظَنِّه هو الاستِدارةُ نَفسُها: خَطٌّ يَمضي ولا يَرتَدّ، ومَن ظَنَّ أنَّ المَسارَ لا يَستَديرُ أقامَ في نِصفِه وحَسِبَه مُقاماً.

ويُقرَأُ هذا مَعَ ما قَبلَه، فهُناكَ سُرورٌ ظَرفُه «فِي أَهْلِهِ»، وهُنا ظَنٌّ مَضمونُه أن لا عَود، فيَجتَمِعُ حَيِّزٌ لا يُخرَجُ مِنه وخَطٌّ لا يَرجِع.


حَصيلة

تُعادُ «إنّه» فيُصبِحُ التَّعليلُ طَبَقَتَين، حالٌ في الظّاهِرِ وظَنٌّ في الباطِن. وظ-ن-ن ما يَستَقِرُّ في الباطِنِ تَحتَ غِطاءٍ غَليظٍ ويَرِنُّ فيه رَنيناً لَطيفاً، فالظَّنُّ حُكمٌ تُحَدِّثُ بِه النَّفسُ صاحِبَها فيُحَرِّكُه، وقد جاءَ ماضِياً كما جاءَ «كَانَ» ماضِياً. ثُمَّ «أَن» مُخَفَّفةً و«لَّن» نافِيةً لِلمُستَقبَل، فالمَظنونُ نَفيٌ لا إثبات. وح-و-ر جَرَيانٌ يَمضي داخِلَ ما يَحتَويه فيَعودُ إلى مَبدَئِه، فالمَنفيُّ عَودٌ لا ذَهاب. وهذانِ، أي حَيِّزٌ يُقامُ فيه وخَطٌّ يُظَنُّ أنَّه لا يَستَدير، هُما ما وَضَعَتهُ الآيَتانِ تَحتَ الكِتابِ الذي بَلَغَ صاحِبَه من وَراءِ ظَهرِه.