الانشقاق · الآية 13

﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا

«إِنَّهُ كَانَ»: خَبَرٌ يُشَدُّ بِتَوكيدٍ ويُبنى على المُضيّ

انتَهى الجَوابُ، فجاءَ ما يُعَلِّلُه. «إنّ» تَشُدُّ الخَبَرَ إلى مَحَلِّه وتَجعَلُه مُثبَتاً لا مُحتَمَلاً. وسَتُعادُ «إنّه» في الآيةِ التّالِيةِ فيَصيرانِ تَعليلَينِ مَقرونَين.

و«كَانَ» من ك-و-ن: إمساكٌ مَوصولٌ يُحيطُ بِما فيه ثُمَّ يَنبَعِثُ فيَستَقِرُّ حالاً لِصاحِبِه. وجاءَت بِصيغةِ المُضيّ، فالحالُ المَذكورةُ ثابِتةٌ مُستَقِرّةٌ قَبلَ كُلِّ ما تَقَدَّمَ من إيتاءٍ ونِداءٍ ولُصوق. لَيسَ الخَبَرُ عن لَحظةٍ في المَشهَد، بَل عمّا كانَ قائِماً قَبلَه.

«فِي أَهْلِهِ»: حَرفُ ظَرفٍ في مَوضِعِ حَرفِ غاية

قيلَ في الجِهةِ الأُولى: وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾. وقيلَ ها هُنا «فِي أَهْلِهِ». الأهلُ واحِدٌ في اللَّفظِ وفي الإضافة، والذي اختَلَفَ حَرفُ الجَرِّ وَحدَه.

و«إلى» تَنتَهي إلى الحَيِّزِ من خارِجِه، و«في» تَجعَلُ الحَيِّزَ ظَرفاً لِمَن حَلَّ فيه. فالأوَّلُ يَبلُغُ أهلَه، والثّاني كانَ فيهِم ولم يُذكَرْ لَه خارِجَهُم مَوضِع.

وأ-ه-ل مَن نَزَلَ بِمَوضِعٍ فحازَه ولَزِمَه فصارَ مِنه. فإذا دَخَلَت «في» على هذا الحَيِّزِ صارَ حَدّاً يُقامُ فيه لا مُنتَهى سَيرٍ يُقصَد. حَرفٌ واحِدٌ يَفصِلُ بَينَ مَن يَعودُ إلى أهلِه ومَن لم يَكُنْ لَه سِواهُم.

«مَسْرُورًا»: الكَلِمةُ نَفسُها في المَصيرِ المُقابِل

لَفظٌ واحِدٌ يُقالُ في الجِهَتَين، بِحُروفِه وحَرَكاتِه، ولا حَرفَ فيه تَغَيَّر. وهذا أوَّلُ وَصفٍ لِصاحِبِ المَصيرِ يُوضَعُ بِلَفظِه في المَصيرَينِ المُتَقابِلَين؛ وما تَكَرَّرَ قَبلَه بِحُروفِه إنَّما هو بِناءُ الجِهَتَينِ من أداةٍ وفِعلٍ ومُهلة، لا وَصفُ صاحِبِهِما.

ولم تَذُمَّ الآيةُ السُّرورَ في نَفسِه ولم تَصِفْه بِوَصفٍ يَعيبُه. الذي قالَته الآيةُ ظَرفُه: «فِي أَهْلِهِ». وس-ر-ر جَرَيانٌ لَطيفٌ يَتَتابَعُ ويَرسَخُ في الباطِن، فإذا كانَ ظَرفُ هذا الجَرَيانِ حَيِّزاً واحِداً دارَ فيه ولم يَخرُجْ مِنه.

ثُمَّ تَجيءُ الآيةُ بَعدَها فتَذكُرُ ما كانَ مَعَ هذا السُّرورِ في الباطِن: إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾. حالٌ في الأُولى وظَنٌّ في الثّانِية، وكِلاهُما مَشدودٌ بِـ«إنّه».


حَصيلة

«إنّ» تَشُدُّ الخَبَر، و«كَانَ» تُثَبِّتُه في المُضيّ، وك-و-ن إمساكٌ يَنبَعِثُ فيَستَقِرُّ حالاً لِصاحِبِه: حالٌ قائِمةٌ قَبلَ المَشهَدِ كُلِّه. ثُمَّ «فِي» في مَوضِعِ «إِلَىٰ» من الجِهةِ الأُولى، فالحَيِّزُ نَفسُه يَصيرُ ظَرفاً بَعدَ أن كانَ غاية. ثُمَّ «مَسْرُورًا» بِعَينِ لَفظِها هُناك. فالفَرقُ بَينَ المَصيرَينِ لا يَقَعُ في السُّرورِ نَفسِه بَل في الحَرفِ الذي يَضَعُه: سُرورٌ يُحمَلُ إلى أهلٍ يُنتَهى إليهِم، وسُرورٌ يُقامُ فيهِم ولا يُذكَرُ لِصاحِبِه ما وَراءَهُم. والآيةُ التّالِيةُ تُتِمُّ الجُملةَ الدّاخِلِيّة.