الانشقاق · الآية 15

﴿بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا

«بَلَىٰ»: حَرفٌ لا يُقالُ إلّا بَعدَ نَفي

«بَلَىٰ» جَوابٌ لا يَقَعُ إلّا رَدّاً على نَفي. لَو قيلَ «نَعَم» لَصَدَّقَتِ الكَلامَ على وَجهِه، أي لَأقَرَّتِ النَّفيَ نَفسَه. و«بَلَىٰ» تُبطِلُ النَّفيَ وتُثبِتُ المَنفيّ.

والنَّفيُ المَردودُ عَلَيه مَذكورٌ في الآيةِ قَبلَها: إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾. فالحَرفُ يَقَعُ على «لَّن» فيَرفَعُها. كَلِمةٌ واحِدةٌ تُعيدُ الدّائِرةَ التي أُنكِرَت.

ولم يَجِئْ بَعدَها إثباتُ الرُّجوعِ بِلَفظِه. جاءَ بَعدَها شَيءٌ آخَر. فمَن أنكَرَ العَودَ رُدَّ عَلَيه بِذِكرِ مَن كانَ يَراهُ وهو يُنكِر.

«إِنَّ رَبَّهُ»: النِّسبةُ قائِمةٌ وإن لم تَحضُرْ في ظَنِّه

«إنّ» ثالِثةً في ثَلاثِ آيات: «إنّه» و«إنّه» ثُمَّ «إنّ». تَشُدُّ الأولَيانِ خَبَرَه، وتَشُدُّ هذه خَبَرَ رَبِّه.

ور-ب-ب مُلازَمةٌ جارِيةٌ تَتَمَسَّكُ بِما تُلازِمُها، ثُمَّ تُضاعَفُ الباءُ فتَشتَدُّ وتَدومُ طَوراً بَعدَ طَور. ومِنه «رَبَّ الوَلَدَ» لازَمَهُ في نُشوئِهِ حتّى استَوى. فالرَّبُّ في الجَذرِ مُلازِمٌ يَنقُلُ مَن يُلازِمُه من حالٍ إلى حال، وهو أبعَدُ ما يَكونُ عمّا يُظَنُّ خَطّاً واحِداً لا يَستَدير.

وأُضيفَ إلى ضَميرِه: «رَبَّهُ». نُسِبَ إليه في الجَوابِ ما لم يَحضُرْ في ظَنِّه. وهي النِّسبةُ التي جَرَت في صَدرِ هذه السّورةِ في لازِمةٍ تُقالُ مَرَّتَين: وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. السَّماءُ والأرضُ أصغَتا لِرَبِّهِما، وهذا ظَنَّ أن لا عَودَ، واللَّفظُ المُضافُ واحِد.

«كَانَ بِهِ بَصِيرًا»: وَصفٌ سابِقٌ لا يَحدُثُ بِالظَّنّ

«كَانَ» ثانِيةً في هذا المَوضِع. قيلَ عنه «كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا»، ويُقالُ عن رَبِّه «كَانَ بِهِ بَصِيرًا». الصّيغةُ واحِدةٌ والمَحَلُّ مُختَلِف: حالٌ ثابِتةٌ لِهذا وحالٌ ثابِتةٌ لِذاك، والثّانِيةُ سابِقةٌ لِلأُولى لا لاحِقةٌ بِها.

وقُدِّمَ «بِهِ» على «بَصِيرًا»، والتَّقديمُ يَجعَلُ المُتَعَلَّقَ أوَّلَ ما يَبلُغُ السَّمع. لم يُقَلْ «بِما يَعمَلُ» بَل «بِهِ»: هو نَفسُه، لا عَمَلُه وَحدَه.

وب-ص-ر احتِباسٌ يُطبَقُ عَلَيه بِصَلابةٍ فتُضبَطُ الصّورةُ في الباطِن، ثُمَّ تَجري الرّاءُ بِذلك المُمسَكِ فتُديمُه. فالبَصَرُ في الجَذرِ إدراكٌ يَقبِضُ ما يَرى ويُثَبِّتُه، لا نَظَرٌ يَقَعُ ثُمَّ يَنقَطِع. والبَصيرُ ها هُنا مُمسِكٌ بِصورَتِه مُنذُ كانَ في أهلِه مَسروراً.

وتَختِمُ الفاصِلةُ على وَزنِ «يَسِيرًا» و«سَعِيرًا»: الرَّوِيُّ الذي خُتِمَ بِه الفَريقانِ يُختَمُ بِه الجَوابُ الذي يَشمَلُهُما. تَعودُ الأُذُنُ إلى الجِهَتَينِ مَعاً في كَلِمةٍ واحِدة.


حَصيلة

«بَلَىٰ» لا تُقالُ إلّا بَعدَ نَفي، فتَقَعُ على «لَّن» فتَرفَعُها. ثُمَّ «إنّ» ثالِثةً بَعدَ «إنّه» و«إنّه»، ور-ب-ب مُلازَمةٌ جارِيةٌ تُشَدَّدُ فتَدومُ وتَنقُلُ مِن حالٍ إلى حال، مُضافةً إلى ضَميرِه هو: نِسبةٌ قائِمةٌ لم تَحضُرْ في ظَنِّه، وهي نَفسُها اللّازِمةُ التي أذِنَت لَها السَّماءُ والأرضُ في صَدرِ السّورة. ثُمَّ «كَانَ» تُعيدُ صيغةَ المُضيِّ التي وُصِفَ بِها حالُه، فتَجعَلُ وَصفَ رَبِّه سابِقاً لِحالِه لا لاحِقاً. وتَقديمُ «بِهِ» يَجعَلُ المُتَعَلَّقَ هو نَفسَه لا عَمَلَه. وب-ص-ر إدراكٌ يَقبِضُ الصّورةَ ويُثَبِّتُها ثُمَّ يُديمُها. ظَنَّ أنَّ الخَطَّ لا يَستَدير، والجَوابُ أنَّ عَينَ الذي يُلازِمُه ما فارَقَتهُ في نِصفِه الأوَّل.