الانشقاق · الآية 17

﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ

«وَاللَّيْلِ»: غِطاءٌ يَلتَفُّ فيَحوزُ ما تَحتَه

وبَعدَ الحاشِيةِ الرَّقيقةِ يَجيءُ الغِطاءُ كُلُّه، فقد أُقسِمَ أوَّلاً بِـالشَّفَقِ﴾، وهو أضيَقُ ما في الأُفُق، ثُمَّ أُقسِمَ بِاللَّيلِ وهو أوسَعُه، فتَصعَدُ اليَمينُ من الحَدِّ إلى ما يَملَأُ ما بَعدَ الحَدّ.

والجِذرُ ل-ي-ل امتِدادٌ يَنسابُ مُنتَشِراً حتّى يَعُمّ، فاللَّيلُ في حُروفِه غِطاءٌ يُسبَلُ على ما تَحتَه فيَلتَصِقُ بِه ويَحوزُه، لا فَراغٌ يَقَعُ حينَ يَذهَبُ الضَّوء، وبَينَ مَن يَسمَعُ في الكَلِمةِ غِياباً ومَن يَسمَعُ فيها ثَوباً يُنشَرُ فَرقٌ.

«وَمَا وَسَقَ»: واوٌ تَمُدُّ اليَمينَ إلى ما جَمَعَه الغِطاء

ثُمَّ جاءَت واوٌ ثانِيةٌ في الآيةِ نَفسِها، ولَو أُريدَ اللَّيلُ وَحدَه لَوَقَفَت عِندَه، فلَمّا زيدَتِ الواوُ صارَ المُقسَمُ بِه اثنَين، هُما اللَّيلُ ومَجموعُه، فيُحلَفُ بِالغِطاءِ، ثُمَّ يُحلَفُ بِما جَرَّه الغِطاءُ إلَيه.

و-س-ق إحاطةٌ تَحتَوي ما يَجري فيها ثُمَّ تَعقِدُه فيَلتَئِمُ ويَستَوي، ومنه «الوَسق» وهو الحِملُ المَجموعُ المَكيل، و«الوَسيقة» وهي ما جُمِعَ من المالِ فسيقَ مَعاً، و«استَوسَقَ الأمرُ» إذا انضَمَّ بَعضُه إلى بَعضٍ فاستَقام. فالفِعلُ سِترٌ، وهو مَعَ ذلك ضَمٌّ يَرُدُّ المُتَفَرِّقَ إلى حَيِّزٍ واحِد.

ولم تُسَمِّ الآيةُ المَجموع، واكتَفَت بِـ«ما» ووَقَفَت، فبَقيَ المَحويُّ على إبهامِه، وكُلُّ ما بَثَّه النَّهارُ يَعودُ تَحتَ هذا الغِطاءِ ولا يُعَدُّ ولا يُحصى. واللَّيلُ في هذه الآيةِ فاعِلٌ لا ظَرف، يَعمَلُ عَمَلاً ويُقسَمُ بِأثَرِه.


حَصيلة

يَنتَقِلُ القَسَمُ من أرَقِّ ما في الأُفُقِ إلى أوسَعِه، فبَعدَ «الشَّفَقِ» يَجيءُ «اللَّيلِ» من ل-ي-ل، وهو امتِدادٌ يَنسابُ مُنتَشِراً فيَحوزُ ما تَحتَه، غِطاءٌ يُسبَلُ لا فَراغٌ يَقَع. ثُمَّ تُزادُ واوٌ فيَصيرُ المُقسَمُ بِه اثنَين، الغِطاءُ وما جَمَعَه. و«وَسَقَ» من و-س-ق، ومَعناه إحاطةٌ تَحتَوي ما يَجري فيها فتَعقِدُه حتّى يَلتَئِمَ ويَستَوي، ومنه الحِملُ المَجموعُ المَكيلُ والقَطيعُ يُساقُ مَضموماً. و«ما» تُبقي المَجموعَ بِلا اسم. فاللَّيلُ هُنا عامِلٌ لا وِعاءُ وَقت، وأوَّلُ عَمَلِه أنَّه يَرُدُّ المُنتَشِرَ إلى واحِد، وما يَبدو غِياباً هو في الحَرفِ أعظَمُ فِعلِ جَمع.