الانشقاق · الآية 16

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ

«فَلَا أُقْسِمُ»: فاءٌ تَصِلُ، ونَفيٌ يَزيدُ اليَمينَ تَوكيداً

تَبتَدِئُ الآيةُ بِفاءٍ لا بِاستِئناف، فما قَبلَها مَوصولٌ بِما بَعدَها، وقد خُتِمَ ما قَبلَها بِـإِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾، فذُكِرَ أنَّ الرَّبَّ بَصيرٌ بِه، ثُمَّ جاءَ القَسَمُ مَوصولاً بِذلك، فالبَصَرُ أوَّلاً واليَمينُ بَعدَه.

ثُمَّ جاءَت «لا» في صَدرِ الفِعل، وهذا مَجرىً في الكَلامِ العَرَبيِّ يَشتَدُّ بِه التَّوكيدُ ولا يَضعُف، والنَّفيُ فيه واقِعٌ على الحاجةِ إلى اليَمين، واليَمينُ باقِيةٌ لم تُرفَع، فالأمرُ أبيَنُ من أن يُحلَفَ عَلَيه، ويُحلَفُ عَلَيه مَع ذلك، ومَن نَفى القَسَمَ ثُمَّ أقسَمَ فقد شَهِدَ مَرَّتَين.

والجِذرُ ق-س-م حَدٌّ قاطِعٌ يُوَزِّعُ ثُمَّ يَربِطُ ما وَزَّع، فاليَمينُ تَفصِلُ بَينَ الصِّدقِ والرَّيبِ فَصلاً، وتَشُدُّ الحالِفَ إلى جانِبٍ مِنه مَعلوم، ولذلك يَقَعُ القَسَمُ في صَدرِ ما يُرادُ تَثبيتُه، كما تُقطَعُ الأرضُ أوَّلاً ثُمَّ يُبنى عَلَيها.

«بِالشَّفَقِ»: الحاشِيةُ الرَّقيقةُ بَينَ ضَوءٍ ذاهِبٍ وسِترٍ آتٍ

والشَّفَقُ من ش-ف-ق، وأصلُه انتِشارٌ دَقيقٌ يَنفَتِحُ في شَقٍّ ضَيِّقٍ ثُمَّ يَنعَقِدُ عَلَيه، وهو حُمرةٌ رَقيقةٌ تَنبَسِطُ في حاشِيةِ الأُفُقِ حينَ يَذهَبُ الضَّوءُ ولَمّا يَتِمَّ السِّتر، فلا هو نَهارٌ ولا هو لَيل، وهو الحَدُّ نَفسُه وقد صارَ مَرئِيّاً.

ومن الجِذرِ نَفسِه «الشَّفَقة»، وهي رِقّةٌ يُخالِطُها خَوفٌ على المَرقوقِ لَه، والرِّقّةُ في الحَرفَينِ قَبلَ أن تَكونَ في القَلبِ أو في الأُفُق، والثَّوبُ الشَّفَقُ ما رَقَّ نَسجُه فبانَ ما وَراءَه، فهو غِطاءٌ يُغَطّي ولا يَحجُب.

وعُدِلَ عن القَسَمِ بِنَهارٍ تامٍّ أو لَيلٍ تامٍّ إلى المَوضِعِ الذي يَنتَهي فيه أحَدُهُما ويَبتَدِئُ فيه الآخَر، وهو أرَقُّ ما في الأُفُقِ وأقصَرُه مُكثاً، فاختارَتِ السّورةُ لِيَمينِها أوَّلَ ما تَقَعُ عَلَيه العَينُ من انتِقال.


حَصيلة

فاءٌ تَصِلُ اليَمينَ بِما قَبلَها، فيُقسَمُ بَعدَ ذِكرِ أنَّ الرَّبَّ بَصيرٌ بِصاحِبِه. و«لا» في صَدرِ «أُقسِمُ» تَوكيدٌ مُضاعَف، فالأمرُ أبيَنُ من أن يُحلَفَ عَلَيه، ويُحلَفُ عَلَيه إثباتاً. والجِذرُ ق-س-م حَدٌّ يَقطَعُ ويَربِط. والمُقسَمُ بِه «الشَّفَقِ» من ش-ف-ق، وهو رِقّةٌ تَنتَشِرُ في شَقٍّ ضَيِّقٍ فتَنعَقِدُ عَلَيه، وحاشِيةٌ رَقيقةٌ لا هي الضَّوءُ ولا هي السِّتر. فالآيةُ تُقيمُ يَميناً قاطِعاً على أقَلِّ ما في السَّماءِ ثَباتاً، والحَدُّ الذي لا يَدومُ أصدَقُ شاهِدٍ على ما لا يَثبُتُ على حال.