الانشقاق · الآية 20

﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

«فَمَا لَهُمْ»: الضَّميرُ يَنصَرِفُ عن المُخاطَبِ إلى غائِب

كانَ الكَلامُ قَبلَ حَرفٍ واحِدٍ مُوَجَّهاً إلى جَماعةٍ حاضِرة: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾، ثُمَّ انقَلَبَ الضَّميرُ فَجأةً فصارَ «لَهُمْ»: يُقسَمُ لِلحاضِرين، ويُتَعَجَّبُ من الغائِبين.

والمُرادُ بِـ«ما لَهُمْ» السُّؤالُ عن الحالِ لا عن الاسم، أي: أيُّ شَيءٍ لَهُم حتّى يَقَعوا في هذا. وهو سُؤالٌ يَطلُبُ عِلّةً، والسّورةُ لا تُعطي عِلّة. وتَجيءُ بَعدَه آيةٌ فيها نَفيٌ ثانٍ، ثُمَّ تَجيءُ الثالِثةُ بِـ«بَل» فتَترُكُ السُّؤالَ وتُخبِرُ بِالفِعل، فهو سُؤالٌ يُطرَحُ ويُجابُ بِوَصفٍ دونَ سَبَب.

«لَا يُؤْمِنُونَ»: نَفيٌ لا يُذكَرُ لَه مُتَعَلَّق

وأصلُ أ-م-ن تَوكيدٌ يَضُمُّ ما حَواه ثُمَّ يَنبَعِثُ مِنه لَطيفاً، فالإيمانُ في حُروفِه إيداعُ الثِّقةِ في مَوضِعٍ يَحفَظُها، ومَعَه الإقرارُ بِاللِّسان، فيَسكُنُ الباطِنُ ويَظهَرُ سُكونُه. وصيغةُ «يُؤمِنون» على أفعَل، وفيها حُصولُ الأمنِ ونَقلُه إلى مَحَلِّه جَميعاً.

ولم تُبَيِّنِ الآيةُ بِماذا لا يُؤمِنون، فتُرِكَ الفِعلُ بِلا مُتَعَلَّقٍ مَذكور، فصارَ النَّفيُ واقِعاً على الهَيئةِ نَفسِها دونَ مُتَعَلَّقٍ واحِد، والمَعنى أنَّه لَيسَ فيهِم ما يَستَقِرّ. وهذا أوَّلُ ثَلاثةِ مَواضِعَ في السّورةِ يُحذَفُ فيها المَعمولُ ويَبقى الفِعلُ عارِياً.

والعَجَبُ في مَوضِعِه، فقد جاءَ قَبلَ حَرفٍ أنَّ الرُّكوبَ واقِعٌ عَلَيهِم لا مَحالة، فلا يَتَوَقَّفُ الانتِقالُ على تَصديقِهِم بِه. ومَحَلُّ الاستِغرابِ غَيرُ وُقوفِ الطَّريق، وهو أن يَمُرَّ يَقينٌ بِهذا الثِّقَلِ ولا يَتَحَرَّكَ لَه شَيءٌ في الصُّدور.


حَصيلة

يَنقَلِبُ الضَّميرُ بَعدَ اليَمينِ مُباشَرة، فيُخاطَبُ الجَمعُ بِالرُّكوب، ثُمَّ يُسأَلُ عن غائِبينَ «فَمَا لَهُمْ». والسُّؤالُ يَطلُبُ عِلّةً لا تُعطى. ويَتلوه نَفيٌ ثانٍ، ثُمَّ يُترَكُ السُّؤالُ إلى «بَل» فيُخبَرُ بِالفِعلِ بَدَلَ سَبَبِه. و«يُؤمِنون» من أ-م-ن، وهو تَوكيدٌ يَضُمُّ ما حَواه ثُمَّ يَنبَعِثُ مِنه لَطيفاً، والإيمانُ بِهذا إيداعُ ثِقةٍ في مَوضِعٍ يَحفَظُها، يَجتَمِعُ فيه ذلك والإقرارُ بِاللِّسان، وصيغةُ أفعَلَ فيه تَجمَعُ الحُصولَ والنَّقلَ إلى مَحَلّ. ولم يُذكَرْ لِلفِعلِ مُتَعَلَّق، فبَقِيَ النَّفيُ عارِياً يَنصَبُّ على الهَيئةِ كُلِّها. وما يُعجَبُ مِنه أنَّ يَقيناً بِهذا الثِّقَلِ يَمُرُّ ولا يَستَقِرُّ مِنه شَيءٌ في صَدر.