الفجر · الآية 20

﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا

«وَتُحِبُّونَ»: تَعَلُّقٌ يَلتَصِقُ بِالقَلب

الفِعلُ من ح-ب-ب، وهو أصلٌ يَدورُ على تَعَلُّقٍ حارٍّ يَلزَمُ ولا يَنفَكّ، والحَبُّ في كَلامِ العَرَبِ نَواةٌ مَكنونةٌ تَنعَقِدُ في باطِنِها الحَياة، فالمَحَبّةُ من جِنسِ ذلك، عَقدٌ يَنعَقِدُ في القَلبِ فيُمسِكُ صاحِبَه بِما أحَبّ. والخِطابُ هنا جَماعِيٌّ مَوصولٌ بِما قَبلَه: «وتُحِبّون»، وهو فِعلٌ قائِمٌ مُستَمِرٌّ لا يَنقَطِع، يَصِفُ هَيئةً راسِخةً في النَّفسِ لا حالاً عابِرة.

والمَذمومُ هنا المَوقِعُ الذي وَقَعَ فيه الحُبّ، والحُبُّ في ذاتِه غَيرُ مَذموم، والمَوقِعُ قَلبٌ تَعَلَّقَ بِالمالِ تَعَلُّقاً يَملَؤُه. وقد سَبَقَ في الآياتِ القَريبةِ ذِكرُ مَن أُعطِيَ فقالَ «رَبِّي أَكْرَمَنِ» ومَن قُدِرَ عليه فقالَ «رَبِّي أَهَانَنِ»، فجاءَ هذا الحُبُّ يَكشِفُ مَوضِعَ الخَلَل، وهو أنَّ القَلبَ يَزِنُ الكَرامةَ بِالعَطاء، لأنَّه إلى المالِ مَشدودٌ شَدّاً.

«الْمَالَ»: ما يُجمَعُ ويُمسَكُ ويُحاز

والمالُ من م-و-ل، وفي بِنيَتِه إمساكٌ يَحتَوي ما يَتَعَلَّقُ بِه فيَحوزُه، ومَدٌّ يَصِلُه بِصاحِبِه، فالمالُ ما يَجتَمِعُ بَينَ يَدَي صاحِبِه فيُمسِكُه ويُمسِكُ بِه، يَمتَلِكُه ويَملِكُه في آنٍ واحِد. وهو جُملةٌ تُضَمّ، وليسَ شَيئاً واحِداً، أي عَدَدٌ يُكَوَّمُ ويُحفَظ، يُمسِكُه صاحِبُه خَشيةَ أن يَنفَلِت.

وفي اختِيارِ هذه اللَّفظةِ بِعَينِها دَلالة، فقد عُدِلَ عن نَحوِ «وتُحِبّونَ الدُّنيا» على سَعَتِها إلى المَجموعِ المَملوكِ الذي يُحازُ فيُمسَك، فخُصَّ بِالذِّكر. فالمَحَبّةُ هنا انعَقَدَت على ما يُجمَعُ ويُعَدّ، لا على ما يَنفَعُ ويُنفَق، والقَلبُ إذا مالَ إلى المالِ مالَ مَعَه عن غَيرِه، إذِ المَيلُ إلى جِهةٍ انصِرافٌ عَمّا سِواها.

«حُبًّا جَمًّا»: تَوكيدٌ يَصِفُ المِقدارَ بِالكَومِ والكَثرة

و«حُبّاً» مَصدَرٌ يُؤَكِّدُ الفِعلَ ويُثَبِّتُه، ثُمَّ «جَمّاً» يَصِفُ هذا الحُبَّ بِوَصفٍ مَأخوذٍ من ج-م-م، والجَمُّ هو المُجتَمِعُ الكَثيرُ المُتَكاثِفُ حتّى يَطفَحَ ويَفيض، يُقالُ «جَمَّ الماءُ في الحَوضِ» إذا اجتَمَعَ وكَثُر، و«الجُمّةُ» مُجتَمَعُ الشَّعرِ الكَثيف. فالحُبُّ الجَمُّ حُبٌّ مَكنوزٌ مُتَراكِمٌ لا يَكتَفي، كُلَّما اجتَمَعَ مِنه شَيءٌ طَلَبَ مَزيداً.

فالوَصفُ يَصِفُ كَيفَ يُحَبُّ المالُ وكَم يُحَبُّ جَميعاً، فهو حُبٌّ مُكَوَّمٌ يَزيدُ على قَدرِ الحاجةِ ويَتَجاوَزُها. وهذا الفَيضُ في المَحَبّةِ يُناسِبُ المَوصوفَ بِه، فالمالُ مَجموعٌ يُكَوَّم، والحُبُّ له مَجموعٌ يُكَوَّمُ مِثلُه، فاجتَمَعَ كَومٌ على كَوم: مالٌ يُجمَع، وحُبٌّ لِجَمعِه يَجِمّ.


حَصيلة

تَصِفُ الآيةُ هَيئةً راسِخةً في النَّفس، فـ«تُحِبّون» (ح-ب-ب) تَعَلُّقٌ حارٌّ يَنعَقِدُ في القَلبِ ولا يَنفَكّ، وَقَعَ على «المال» (م-و-ل)، وهو المَجموعُ المَملوكُ الذي يُحازُ فيُمسَكُ ويُكَوَّم. ثُمَّ جاءَ «حُبّاً جَمّاً» (ج-م-م) فأكَّدَ الفِعلَ ووَصَفَ مِقدارَه بِالكَومِ المُتَكاثِفِ الذي يَطفَحُ ولا يَكتَفي، فالمَوصوفُ والوَصفُ من جِنسٍ واحِد، مالٌ يُجمَعُ ويُكَوَّم، وحُبٌّ لِجَمعِه يَجِمُّ مِثلَه. وبِهذا تَكشِفُ الآيةُ مَوضِعَ المَيلِ في الإنسانِ حينَ يَزِنُ الكَرامةَ بِالعَطاء، وهو قَلبٌ مالَ إلى المَجموعِ فمالَ مَعَه عَمّا سِواه.