الشمس · الآية 9
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«قَد أَفلَحَ»: التَّحقيقُ المَقطوعُ به
«قَد» في العربيّةِ، إذا دَخَلَت على الفِعلِ الماضي، أَفادَت تَحقيقَ وُقوعِه وتَأكيدَه. لَيس «أَفلَحَ» بمعنى «نَجَحَ في يَومٍ ما»، بَل «قَد أَفلَحَ» بمعنى «ثَبَتَ لَه الفَلاحُ ثُبوتاً مَقطوعاً به». ومَن قالَ «قَد فَعَلتُ» فقد قَطَعَ كلَّ بابٍ للشَّكِّ في الفِعل.
والفَلاحُ في الجذرِ (ف-ل-ح) من معنى الشَّقِّ والاستِخراج. ومنه «الفَلَح» في الأَرضِ شَقُّها بالمِحراثِ لتَنبُتَ فيها الزَّرع، و«الفَلّاح» الذي يَشُقُّ الأرضَ ويَستَخرجُ منها ما كانَ مَكتوماً. الفَلاحُ بهذا المعنى لَيس مُجرَّدَ نَجاحٍ يَأتي من خارج، بَل اِستِخراجُ ما هو مَكنونٌ في الباطِنِ بَعد عَمَلٍ يُهَيِّئُ الأرضَ لِلنَّبت. مَن أَفلَحَ شَقَّ ما كانَ مَكتوماً، فأَخرَجَ منه ثَمَرَه.
«زَكَّاها»: النُّموُّ في صَفاء
الجذرُ (ز-ك-و) في العربيّةِ يَجمَعُ معنَيَين مُتَلازِمَين: النُّموُّ والصَّفاء. وما يَنمو ويَصفو معاً يُقالُ لَه «زاكٍ». ومنه «الزَّكاة» في المالِ ما يُخرَجُ منه فيُطَهِّرُ ما بَقِيَ ويُنميه. و«تَزكَّى» الإنسانُ تَنَزَّهَ ونَما في الخَير. التَّزكِيَةُ بهذا المعنى ليست مُجرَّدَ تَطهيرٍ سَلبيٍّ، بَل تَنميَةٌ في صَفاء.
والصِّيغَةُ «زَكَّى» بتَضعيفِ الكاف، صيغَةُ تَكثيرٍ ومُبالَغَة: تَزكِيَةٌ مُكَرَّرَةٌ تَتَّسِعُ على كلِّ جُزءٍ من النَّفس. لَيس فِعلاً واحِداً يُؤَدَّى مَرَّةً ثمّ يَنتَهي، بَل عَمَلٌ يُكَرِّرُ نَفسَه على النَّفسِ كلَّها حَتّى تَنمو وتَصفو. وكأنَّ النَّفسَ المُزَكَّاةَ نَبتةٌ تَتَعَهَّدُها يَدٌ صاحِبَتُها كلَّ يَومٍ، تَنزِعُ ما يُؤذيها وتَسقي ما يُغَذّيها.
«مَن زَكَّاها»: الفاعِلُ هو صاحِبُ النَّفس
الإسنادُ في «زَكَّاها» إلى ضَميرِ «مَن» يَدُلُّ على أنَّ الفاعِلَ هو الذي يَملِكُ النَّفس. لَو قالَ «قَد أَفلَحَ مَن زُكِّيَت نَفسُه» في صيغَةِ المَجهول، لَكانَ التَّزكِيَةُ نازِلَةً عَلَيها من خارج. لَكنَّه قال «زَكَّاها» في صيغَةِ المَعلوم: الفاعِلُ هو صاحِبُ النَّفس. هذا تَأكيدٌ على أنَّ الإلهامَ في الآيةِ السابقة لا يَعني الجَبرَ على أَحَدِ الطَّريقَين. الإلهامُ كَشَفَ القُدرَتَين، ثمّ تَرَكَ القَرارَ لِصاحِبِ النَّفس.
والقارئُ الذي يَنطِقُ هذه الآية يَجِدُ نَفسَه أمامَ صيغَةٍ ثَقيلَة. لَيس مَوضوعَ تَزكِيَة، بَل فاعِلُها. مَن أرادَ الفَلاحَ فلْيَزُكِّ نَفسَه بنَفسِه. لا يُزَكّيها أَحَدٌ بَدَلاً منه. والمُعَلِّمُ يُمكِنُه أن يَدُلَّ، والكِتابُ يُمكِنُه أن يُذَكِّر، لكنَّ التَّزكِيَةَ نَفسَها لا تَكونُ إلّا بفاعِلٍ من داخِل.
حَصيلة
جَوابُ القَسَمِ يَنزِلُ بَعدَ ثَمانيَةِ أَقسامٍ. «قَد» تَحقيقٌ مَقطوعٌ به قَبلَ الفِعل. «أَفلَح» من الجِذرِ ف-ل-ح: شَقُّ الأَرضِ حتّى يَنبُتَ ما كانَ كامِناً فيها. المُفلِحُ هو «مَن زَكَّاها»: تَعَهَّدَ نَفسَه بالتَّزكِيَة. الجِذرُ ز-ك-و نُمُوٌّ يَطهُرُ. والفِعلُ مُسنَدٌ إلى ضَميرِ «مَن» في صيغَةِ الفاعِل: صاحِبُ النَّفسِ هو الذي يُزَكِّي، الإرادَةُ خِيارٌ لا فَرض. الفَلاحُ ثَمَرَةُ فِعلٍ داخِليٍّ لا مِنحَةٌ خارِجيَّة.