الضحى · الآية 10

﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ

«السائلَ»: الذي مَدَّ صَوتَه طَلَباً

الجِذرُ س-ء-ل في الكَلامِ العَربيِّ يَجمَعُ كلَّ صورَةٍ من صُوَرِ السُّؤال. تَقولُ «سَأَلَ عَن الطَّريق» (طَلَبَ المَعرِفَة)، و«سَأَلَ مَعونَةً» (طَلَبَ المَدَد)، و«سَأَلَ ظِلاً» (طَلَبَ المَوضِع)، و«سَأَلَ بَيتاً» (طَلَبَ المَأوى). ومنه «المَسأَلَة» الصورةُ التي يَأتي بها السؤالُ مِنَ السائل. السائلُ كلُّ مَن مَدَّ صَوتَه طَلَباً، وَإن لم يَكُن يَطلُبُ مالاً.

والصِّيغَةُ في الآيةِ مَعرِفَةٌ بِأل («السائلَ»): الجِنسُ كلُّه. وَمَوقِعُه في الجُملَةِ مَفعولٌ بِه مُقَدَّمٌ على الفِعل («وأَمّا السائلَ فَلا تَنهَر»)، يُفيدُ الاختِصاصَ والاهتِمام. ليس النَّهيُ عن النَّهرِ مُطلَقاً عن كلِّ مَوضِع، بَل في حَقِّ هذا الصِّنفِ بِالذاتِ. مَن جاءَك سائلاً لا تَستَخدِم في حَقِّه فِعلَ النَّهرِ، أَيّاً كانَ ما يَسأَلُه.

«فَلا تَنهَر»: لا تَدفَعه دَفعاً يُسمِعُه أنّه ما كانَ يَنبَغي أن يَجيء

الجِذرُ ن-ه-ر في الكَلامِ العَربيِّ مُتَفَرِّعٌ على بِنيَةٍ واحِدَة. النونُ ظُهورٌ وبُروز، والهاءُ إظهارٌ من باطن، والراءُ تَكرارٌ وجَريان. النَّواةُ نه ظُهورٌ من باطنٍ بِتَدَفُّقٍ مَلحوظ، ثمّ ر تُديمُ هذا الجَريانَ بِلا انقِطاع. ومن هنا «النَّهر» جَريانُ الماءِ الظاهِرِ المُستَمِرّ، لِأنَّه ما يَنبَعِثُ مِن باطِنِ الأرضِ ويَجري ظاهِراً عَلَيها.

وَمن نَفسِ الجِذرِ يَتَفَرَّعُ «نَهَرَ» الفِعل: زَجَرَ زَجراً يَدفَعُ المَزجورَ. النَّهرُ بهذا المَعنى تَدَفُّقُ صَوتٍ من الناهِرِ يَدفَعُ المَنهورَ كَما يَدفَعُ النَّهرُ ما يُلقى فيه. ليس مُجَرَّدَ الرَّفض، بَل دَفعٌ يَجري في كَلِمَةٍ تُلقى على السائلِ تُسمِعُه أنّه ما كانَ يَنبَغي أن يَجيءَ فيَسأَل.

والآيةُ تَنفي هذا. السائلُ بِنَفسِ مَجيئِه قَد فَتَحَ بَيتَه على بَيتِك، فاستَحَقَّ أن لا يَخرُجَ من بَيتِك بِدَفعٍ يُسمِعُه أنّه أَخطَأَ في المَجيء. إن لم يَكُن لَدَيك ما تُعطيه، فاترُكه يَنصَرِفُ كَما جاءَ، أو رُدَّه قَولاً مَيسوراً يَحفَظُ كَرامَتَه. ولكن لا تَستَخدِم في حَقِّه فِعلَ النَّهر.

صَدًى لِما تَلَقّى المُخاطَبُ في الآيةِ السابِعَة

الذي وُجِدَ ضالّاً فَهُديَ يَتَلَقّى الأَمرَ بِصورَةٍ خاصَّة. الضَّالُّ في اللسانِ القَديمِ هو الطَّالِبُ الذي لم يَجِد بَعد، وَالسائلُ هو الطَّالِبُ الذي مَدَّ صَوتَه. كِلاهُما طَلَبٌ يُمَدّ. الذي تَلَقّى الهُدى في طَلَبِه يَعرِفُ ما يَفعَلُ ردُّ الطَّلَبِ بِالنَّهر. وَلَيس لَه أَن يَكونَ في حَياةِ غَيرِه قاطِعاً للطَّلَبِ بِالدَّفع.

وَفي ذلك ضَوءٌ على البِنيَةِ كلِّها. السورةُ تَجعَلُ المُكَلَّفَ في حَيرَةٍ من اختيار: لقد أُويَ، فَلا يَقهَر؛ ولقد هُديَ، فَلا يَنهَر؛ ولقد أُغنيَ، وَتَأتي الآيةُ التالية. الأَمرُ في الكتابِ ليس قانوناً يَنزِلُ من خارِج، بَل دَورَةٌ في حَركَةٍ تَعَهَّدَ بها الرَّبُّ مَربوبَه، فالمَربوبُ يُتمِمُها بِأن يَكونَ مَوضِعَ نَفسِ الفِعلِ في حَياةِ غَيره.


حَصيلة

التَّكليفُ الثاني. «وَأمّا السائِلَ فَلا تَنهَر». الجِذرُ س-أ-ل: الطَّلَبُ الصَّريح. الجِذرُ ن-ه-ر: الزَّجرُ بِصَوتٍ يَتَّسِع. مَن وُجِدَ عائِلاً فأُغني يَعرِفُ معنى الحاجَةِ في جَسَدِه. فيَنبَغي أن لا يَتَحَوَّلَ إلى مَن يَزجُرُ مَن يَطلُب. التَّكليفانِ مَعاً يَجريانِ على نَفسِ المِنطَق: ما تَلَقَّيتَه لا تَحجُبه عَمَّن يَحتاجُه.