الضحى · الآية 11

﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ

«بِنِعمَةِ رَبِّكَ»: مَوضوعٌ يَلتَبِسُ بِالنُّطقِ نَفسِه

مَدارُ ن-ع-م في الكَلامِ العَرَبيِّ على عَطاءٍ يَنسابُ ثُمَّ يَلتَئِمُ في حَياةِ المُنعَمِ عَلَيه: النّونُ انبِعاثٌ نَدِيّ، والعَينُ قَبضٌ حَلقِيّ، والميمُ تَجَمُّعٌ يَختِم، والنَّواةُ نع انبِعاثٌ يَنضَغِط، أي نَغَمٌ يَنعَقِد، ثُمَّ تَأتي الميمُ فتَختِمُ هذا المُنبَعِثَ بِإحاطة. فالنِّعمةُ في الجِذرِ عَطاءٌ يَدخُلُ في حَياةِ المُنعَمِ عَلَيه ويَلتَئِمُ فيها حتّى لا يُعرَفَ هو من غَيرِه، ولا تَنتَهي عِندَ هَدِيّةٍ تُسَلَّمُ ثُمَّ تُترَكُ في المَكان، والذي رَبّى المُخاطَبَ نَزَلَت نِعمَتُه عَلَيه في عَيشِه نَفسِه.

والإضافةُ في «نِعمَةِ رَبِّك» تَختارُ الاسمَ نَفسَه الذي اختارَتهُ الآياتُ السّابِقة: «رَبُّك»، فالذي وَجَدَ المُخاطَبَ يَتيماً وضالّاً وعائلاً، والذي يَعِدُه بِالعَطاءِ المُتَوالي، هو نَفسُه الذي يُحَدَّثُ بِنِعمَتِه. والسّورةُ لا تَتَنَزَّحُ عن هذا الاسمِ في كُلِّ مَواضِعِها، وهو المُلازِمُ في النُّمُوّ، المُتَّصِلُ بِالمَربوب.

«فَحَدِّث»: نُطقٌ يُخرِجُ الجَديدَ في الزَّمَنِ بَعدَ كَتم

وأصلُ ح-د-ث نُقطةُ حَياةٍ جَديدةٍ تَبرُزُ مُتَفَرِّقةً في الزَّمَنِ بَعدَ كَتم: الحاءُ حَياةٌ حارّة، والدّالُ ضَبطٌ يَستَقِرّ، والثّاءُ تَناثُرٌ يَبرُز. ومن هُنا «حَدَثَ الأمرُ» إذا وَقَعَ بَعدَ أن لم يَكُن، و«الحَديثُ» الجَديدُ من القَولِ يَتَجَدَّدُ بِكُلِّ نُطق. والصّيغةُ في الآيةِ «حَدِّث» من بابِ التَّفعيل، وهي تَدُلُّ على إخراجِ الحَديثِ مَقصوداً، لا تَفَلُّتاً عَفوِيّاً.

وبَينَ «أَخبِر» و«حَدِّث» في العَرَبيّةِ فَرقٌ دَقيق: فـ«أَخبِر» نَقلُ خَبَرٍ كانَ مَكتوماً إلى مَن لا يَعلَمُه، و«حَدِّث» إخراجُ القَولِ في صورةٍ جَديدةٍ تَتَجَدَّدُ في الإلقاء. والمُحَدِّثُ يَنطِقُ بِما عاش، ويَجعَلُه طَرِيّاً في فَمِه كما تَجَدَّدَ في حَياتِه. والنِّعمةُ التي نَزَلَت ثَبَتَت في حَياةِ المُخاطَب، وتَحديثُها إخراجُها مَرّةً ثانِيةً في صورةِ كَلام، فيَتَجَدَّدُ فيها الفِعلُ من الذِّكرى إلى المُتَلَقّي الجَديد.

وفي الأمرِ هُنا قَلبٌ لِبُنيةِ السّورة، فقد افتُتِحَت بِقَسَمٍ يَنزِلُ على المُخاطَبِ من خارِج: «وَالضُّحى»، والآيةُ الخاتِمةُ تَأمُرُ المُخاطَبَ بِأن يَنطِقَ هو نَفسُه، فيَنتَقِلُ من مُتَلَقٍّ صامِتٍ في الفاتِحةِ إلى ناطِقٍ في الخاتِمة. وتَكتَمِلُ الدَّورة: نَزَلَتِ الكَلِمةُ على القَلب، والقَلبُ لا يَستَقِرُّ حتّى تَخرُجَ مِنه كَلِمةٌ تَنزِلُ على آخَر.

خاتِمَةُ السورة: الفَيضُ يَجري ولا يَحبَسُه القارئ

والآياتُ التِّسعُ السّابِقةُ كُلُّها كانَت تَنزِلُ على المُخاطَب: قَسَمٌ يَستَدعي شَهادةَ الكَون، ونَفيٌ يُذهِبُ المَخاوِف، ووَعدٌ يَفتَحُ المَدى، وذِكرى تَستَدعي اللِّقاءاتِ السّابِقة، وأوامِرُ في حَقِّ غَيرِه، وكُلُّها مَدخولاتٌ تَنزِلُ على القَلب. وتَفتَحُ الآيةُ الأخيرةُ بَوّابةَ الخُروج، فما دَخَلَ يَنبَغي أن يَخرُج، والذي تَلَقّى الكَلامَ يَكونُ مَخرَجاً لِكَلامٍ آخَرَ يَنزِلُ على غَيرِه.

وفي هذا صَدىً لِبُنيةِ السّورةِ المُجاوِرة: فالشَّرحُ في صَدرِ السّورةِ التّالِيةِ فَتحٌ في الباطِن، والحَديثُ في خاتِمةِ هذه السّورةِ إخراجٌ من الباطِن، والصَّدرُ يَتَّسِعُ لِيَستَقبِلَ ثُمَّ يَنطِقُ بِما استَقبَل. وما يَستَقبِلُه القَلبُ ويَنطِقُ بِه الفَمُ يَدخُلُ في «التَّحديث».

والقارِئُ الذي يَختِمُ السّورةَ يَخرُجُ مِنها بِإرشادٍ خَفِيّ: فالفاتِحةُ في صَدرِ هذه السّورةِ تَستَدعي يَمينَ الكَون، والخاتِمةُ تَستَدعي مِنه يَميناً مُماثِلاً، وهو أن يَكونَ في حَياتِه شاهِداً على ما تَلَقّى، ونُطقاً يُخرِجُ النِّعمةَ مَرّةً ثانِيةً فتَنزِلُ على غَيرِه كما نَزَلَت عَلَيه. والنِّعمةُ التي تُحبَسُ في القَلبِ تَنفَد، والتي تَجري في اللِّسانِ تَتَجَدَّد.


حَصيلة

يَختِمُ الأمرُ الثّالِثُ السّورةَ بِإثباتٍ بَعدَ نَهيَين: «وَأمّا بِنِعمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّث». والجِذرُ ح-د-ث إخراجُ الجَديدِ من الذِّكرى إلى الكَلام، و«فَحَدِّث» تَحديثٌ يَنفَعُ مَن يَسمَع، وهو غَيرُ الفَخرِ والتَّباهي. وقد افتُتِحَتِ السّورةُ بِقَسَمٍ بِالضَّوء، وخُتِمَت بِأمرٍ بِالكَلام، والذي تَلَقّى الإيواءَ والهُدى والإغناءَ يُؤمَرُ بِأن يُخرِجَ ذلك في نُطق، والنُّطقُ يُكمِلُ الدّائِرة: ضَوءٌ رُئِيَ فوَجَبَ أن يُقال.