الضحى · الآية 9

﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ

«اليَتيمَ»: المَعرِفَةُ بَعدَ النَّكِرَة

اليَتيمُ في الآيةِ السادِسَةِ كانَ نَكِرَةً («يَتيماً»)، يَستَوعِبُ كلَّ صورَةٍ من صُوَرِ الانفِراد. واليَتيمُ هنا مَعرِفَةٌ بِأل («اليَتيمَ»)، يَستَدعي الجِنسَ كلَّه. مَا كانَ في الذَّكرى صورةً تَلَقّاها المُخاطَبُ هو في الأَمرِ صِنفٌ يَلقاه. النَّكِرَةُ في الذَّكرى تَفتَحُ على المُخاطَب، والمَعرِفَةُ في الأَمرِ تَفتَحُ على غَيره.

والجِذرُ ي-ت-م في كِلتا الآيتَين هو نَفسُه: انفِرادُ فَردٍ تامٍّ بَعدَ خَتمِ الصِّلَةِ الحامِيَة. لكنَّ الصِّيغَةَ تَنتَقِلُ من حالَةٍ يَلتَقي بها المُخاطَب، إلى صِنفٍ يَلتَقي به في غَيره. المَعنى نَفسُه يَتَكَرَّرُ في مَوضِعَين: مَن كانَ في حالِ اليَتيمِ يَعرِفُ ما يَنفَعُ مَن في الحالِ نَفسِها.

«فَلا تَقهَر»: لا تَركَب على ضُعفِه بِشِدَّتِك

الجِذرُ ق-ه-ر في الكَلامِ العَربيِّ يَدورُ على غَلَبَةٍ تَستَهلِكُ المَغلوب. القافُ شِدَّةٌ تَنفَجِرُ من أَقصى الفَم، والهاءُ نَفَسٌ يُسَلَّمُ، والراءُ جَريانٌ يَتَتابَع. النَّواةُ قه = شِدَّةٌ تَنفَتِحُ في نَفَسٍ خافِض، ثمّ تَجري بِالراءِ مُتَتابِعَةً تَستَهلِكُ مَوضِعَها. ومن هنا «قَهَرَ خَصمَه» غَلَبَه غَلَبَةً تَستَهلِكُ مُقاوَمَتَه، و«القَهر» الغَلَبَةُ التي تَكسِرُ مَوقِفَ المَغلوبِ ولا تُبقي له ما يَستَنِدُ إليه.

والقاهِرُ يَستَخدِمُ مَوضِعَه فَوقَ المَقهور. القَهرُ ليس مُجَرَّدَ ضَربٍ ولا شَتمٍ، بَل تَوظيفُ المَوضِعِ الأَعلى لِسَحقِ الأَدنى. الذي عَلَيه يَتيمٌ يَستَطيعُ، بِسَبَبِ يُتمِه ولِأَنَّه فَقَدَ مَن يَدفَعُ عَنه، أَن يَفعَلَ مَعَه ما لا يَستَطيعُ مَعَ مَن وَراءَه أَهلٌ. هذه الإمكانيَّةُ هي ما تَنفيها الآيةُ. اليَتيمُ ضَعيفٌ بِنيَويّاً؛ النَّهيُ يَنزِلُ على مَن يُمكِنُه أن يَستَفيدَ من ضُعفِه.

صَدًى لِما تَلَقّى المُخاطَبُ في الآيةِ السادِسَة

الذي وُجِدَ يَتيماً فأُويَ يَتَلَقّى الأَمرَ بِصورَةٍ خاصَّة. الذي تَلَقّى الإيواءَ يَعرِفُ ما يَفعَلُ غِيابُ الإيواءِ في القَلب. ولَيس مِن مُتَلَقّي الإيواءِ من يَكونُ بَعدَ ذلك قاهِراً ليَتيمٍ آخَر. هذه التَّناقُضُ يُغلِقُه الأَمرُ هنا. الفَترَةُ التي عاشَها المُخاطَبُ مُنفَرِداً في يُتمِه قَبلَ أن يَأويَه شَيءٌ هي تَأهيلُه لأن يَكونَ في حياةِ غَيرِه مَوضِعَ إيواءٍ لا قَهر.

وقد ذَكَرَ القُرآنُ في غَيرِ مَوضِعٍ تَلازُمَ المُتَلَقّي والمُعطي. تَقولُ البَقَرَة: وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾. الذي تَفَضَّلَ عَلَيك يَخرُجُ من قَبضَتِه فَضلٌ يَعبُرُك، إلى مَن لا يَزالُ يَنتَظِرُ مَن يَتَفَضَّلُ عَليه. اليَدُ التي تَلَقَّت تَكونُ يَداً تُعطي، وإلاّ احتَبَسَ الفَضلُ في طَريقِه.


حَصيلة

الذِّكرى تَتَحَوَّلُ إلى تَكليف. «فَأمّا اليَتيمَ فَلا تَقهَر». الجِذرُ ق-ه-ر: الغَلَبَةُ القاهِرَةُ من فَوق. مَن أُوتيَ إيواءً يَكونُ مَوضِعاً لإيواءِ غَيرِه، ولَيس له أن يَستَدبِرَ الفِعلَ الذي نَزَلَ عَلَيه فيَفعَلَه على غَيرِه بِالعَكس. الصِّيغَةُ «أمَّا. فَ.» تُفرِدُ لِكلِّ مَوقِفٍ حُكماً. الأوَّل: اليَتيمُ، أي مَن يَعيشُ الانفِرادَ بِلا كافِل.