الضحى · الآية 7

﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ

«ضالّاً»: طالِبٌ في حَركَةٍ لم تَستَقِرّ

مَدارُ ض-ل-ل في الكَلامِ العَرَبيِّ على ضَغطٍ يَمتَدُّ حتّى يَختَفي، فالضّادُ ضَغطٌ مُفَخَّم، واللّامُ تَعَلُّقٌ مُمتَدّ، فإذا اجتَمَعَتا كانَ في النَّواةِ ثِقَلٌ يَنبَسِطُ في سَعةٍ تَستَهلِكُه، ثُمَّ يُشَدِّدُ تَضعيفُ اللّامِ هذا الامتِدادَ حتّى يَستَهلِكَ نَفسَه. ومِنه في كَلامِ العَرَبِ «ضَلَّ الماءُ في اللَّبَن» إذا اختَلَطَ فاختَفى فيه، و«ضَلَّ الطَّريقَ» إذا فَقَدَه. والضَّلالُ ضِدُّ الهُدى من جِهةِ أنَّ الهُدى إيصالٌ يَنعَقِد، والضَّلالَ امتِدادٌ يَنفَلِت.

والضّالُّ في اللِّسانِ الأقدَمِ طالِبٌ لم يَجِد، لا مُعانِدٌ صَرَفَ وَجهَه، والفَرقُ هو الفَرقُ بَينَ الطَّلَبِ المُتَأَوِّهِ والاستِقامةِ الواثِقة. فمَن طَلَبَ الماءَ ولم يَجِدْ بِئراً يُسَمّى ضالّاً لأنَّ حَرَكَتَه لم تَستَقِرَّ بَعدُ على مَوضِع، وهو غَيرُ مُنكِرٍ لِلماء. ويَصِفُ الرَّجُلُ نَفسَه بِأنَّه «ضَلَّ بِبَيداء» إذا تاهَ ولم يَجِدْ سَبيلاً، وهو لم يَأبَ السَّبيل.

والصّيغةُ في الآيةِ نَكِرة («ضالّاً»)، واسمُ فاعِلٍ يَدُلُّ على حالةٍ تَجري، وأوثِرَت «ضالّاً» في حَرَكةٍ مُؤَقَّتةٍ على «الضّالّ» المَعرِفة. والقارِئُ الذي قَرَأَ هذه الكَلِمةَ في حَيرَتِه، قَبلَ أن يَستَقِرَّ على ما يَطمَئِنُّ إلَيه، يَعرِفُ ما يَسَعُه هذا الوَصف.

«فَهَدى»: الطَّريقُ الذي يُبَيِّنُه مَن يَتَقَدَّمُ عَلَيه

والفاءُ في «فَهَدى» تُرَتِّبُ الجَوابَ على اللِّقاء: وُجِدَ ضالّاً، فأُعطِيَ طَريقاً. وه-د-ي يَحمِلُ في الكَلامِ العَرَبيِّ صورةَ طَريقٍ يَتَقَدَّمُ عَلَيه مَن يُبَيِّنُه، و«هَوادي الإبِل» في كَلامِ العَرَبِ أوائِلُها التي تَمشي في المُقَدِّمةِ فيَتبَعُها ما وَراءَها، فالهُدى في الأصلِ تَقَدُّمٌ يُرى فيُسلَكُ على أثَرِه. ومِنه «الهَدِيّة» لِلشَّيءِ الذي يُقَدَّمُ ويُساقُ من جِهةٍ إلى أُخرى، و«الهادي» لِلَّذي يَمشي أمامَ السّائِرِ فيُريهِ طَريقَه.

والهُدى طَريقٌ تَمشي فيه القَدَمُ على أثَرٍ سَبَقَها، وهو غَيرُ المَعرِفةِ المُجَرَّدةِ التي تُلقى في الذِّهن. والذي طَلَبَ ولم يَجِدْ كانَ يَخطو حَيثُ لا أثَرَ أمامَه، فإذا أُعطِيَ الهُدى مَشى على أثَرٍ بَيِّن. فالفَرقُ في الطَّريقِ لا في الإرادة، والإرادةُ كانَت تَطلُب، والذي تَغَيَّرَ هو الطَّريق.

والصّيغةُ «هَدى» في الماضي، وفاعِلُها مُضمَرٌ يَعودُ على «الرَّبِّ» في الآياتِ السّابِقة. والمَفعولُ مَحذوفٌ («فَهَداكَ»)، فجاءَ الفاعِلُ والفِعلُ في صورةٍ مُكتَفِية، وتَرَكَ الفِعلُ مَفعولَه يَعودُ ضِمناً على المُخاطَبِ في «وَجَدَكَ»، والسّورةُ في ذلك تَختَصِرُ ولا تُكَرِّر.

الانتِقالُ من «وُجوداً خارِجيّاً» إلى «وُجوداً داخِليّاً»

سَمَّتِ الآيةُ السّابِقةُ يُتماً، وتُسَمّي هذه الآيةُ ضَلالاً، والفَرقُ بَينَهُما هو الفَرقُ بَينَ انفِرادِ الإنسانِ في عالَمِه الخارِجِيّ وانفِرادِه في عالَمِه الدّاخِلِيّ: فاليَتيمُ لَيسَ لَه مَن يُحيطُه، والضّالُّ لَيسَ لَه طَريقٌ يَسلُكُه، والإيواءُ يَحُلُّ الانفِرادَ الأوَّل، والهُدى يَحُلُّ الانفِرادَ الثّاني.

والحَلّانِ لَيسا في صيغةٍ واحِدة، فالإيواءُ يُنزِلُ في مَوضِعٍ خارِجِيّ، وهو مَأوىً مَلموس، والهُدى يُنزِلُ في مَوضِعٍ داخِلِيّ، وهو طَريقٌ يَستَقِرُّ في الإرادة. والذي تَعَهَّدَ نُمُوَّ المُخاطَبِ تَعَهَّدَ المَوضِعَينِ كِلَيهِما، الخارِجِيَّ والدّاخِلِيّ. والقارِئُ الذي يُصغي إلى البِنيَتَينِ يَعرِفُ أنَّ كُلَّ تيهٍ في حَيرَتِه كانَ مَوضِعاً لِفِعلِ الهُدى، وإن لم يَكُنْ قد سَمّى الهُدى في حينِه.


حَصيلة

هذه الثّانيةُ من الثَّلاثِ الاستِحضارِيّة: «وَوَجَدَك ضالّاً فَهَدى». والجِذرُ ض-ل-ل التّيهُ في الطَّريق، والجِذرُ ه-د-ي الدَّلالةُ على الطَّريقِ الصَّحيح. وأوثِرَ «هَدى» مُطلَقاً على «وَجَدَك تائِهاً فعَلَّمَك»، والهِدايةُ أشمَلُ من التَّعليم. ومَن وَجَدَ المُخاطَبَ تائِهاً ثُمَّ هَداه لا يُوَدِّعُه في وَقتِ الضّيق، والفِعلانِ في الماضي يَشهَدانِ على الحاضِر، فما كانَ في الماضي دَليلٌ على ما يُمكِنُ في الحاضِر.