الضحى · الآية 8

﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ

«عائلاً»: ضِيقُ السَّعَةِ مَعَ ثِقلِ الإعالَة

تَتَفَرَّعُ ع-و-ل في العَرَبيّةِ على مِحوَرٍ واحِد، هو ثِقَلٌ يَنوءُ بِه الحامِل، يُقالُ «عالَ الميزانُ» إذا مالَ من ثِقَلِ ما في إحدى كِفَّتَيه، و«عالَ الرَّجُلُ» إذا حَمَلَ مَن يَعولُهُم من أهلِه على عاتِقِه. والعِيالُ هُمُ الذين يَنوءُ العائِلُ بِنَفَقَتِهِم، فيَستَدعونَ مِنه سَعةً لا تَكونُ في قَبضَتِه. فالعَيلةُ إذَن لِقاءُ ضيقٍ في اليَدِ مَعَ ثِقَلٍ على العاتِق، ولا تَقِفُ عِندَ الفَقر.

والصّيغةُ في الآيةِ اسمُ فاعِلٍ نَكِرة («عائلاً»)، أي مَن هو في حالِ إعالة، وقد عُدِلَ عن «الفَقير» المَعرِفةِ و«المِسكين» المُعَيَّنِ إلى «عائلاً» بِلا تَحديد. فكُلُّ مَن وَجَدَ نَفسَه في مَوضِعِ هذا الضّيقِ بَينَ ضيقِ اليَدِ وثِقَلِ الحِملِ يَدخُلُ في «عائلاً»، والكَلِمةُ تَفتَحُ المَعنى لِكُلِّ صورةٍ من صُوَرِ ضيقِ السَّعة.

«فَأَغنى»: السَّعَةُ التي تَنفي الحاجَةَ إلى السُّؤال

والفاءُ في «فَأَغنى» تُرَتِّبُ الجَوابَ على اللِّقاء: وُجِدَ عائلاً، فأُنزِلَ عَلَيه غِنىً. وغ-ن-ي في الكَلامِ العَرَبيِّ يَدورُ على غِطاءٍ يَظهَرُ بِنُهوضِه عن الحاجة، فالغَينُ في الجِذرِ تُحيلُ على الغِطاءِ والخَفاء، والنّونُ على الظُّهورِ والبُروز، والنَّواةُ غن غِطاءٌ يَظهَرُ بِنُهوضِه عن الحاجة، أي اكتِفاءٌ يُغَطّي عن سُؤالِ غَيرِه.

والفِعلُ هُنا «أَغنى» على وَزنِ أفعَل، ويَدُلُّ على إنزالِ الغِنى على المُخاطَبِ من جِهةِ الفاعِل، فالغِنى أُنزِلَ عَلَيه، ولم يَصِرْ غَنِيّاً بِكَسبِه. والصّيغةُ مُوافِقةٌ لِلبُنيةِ السّائِدةِ في السّورة، فالفاعِلُ في كُلِّ ثُلاثِيِّ الذِّكرى هو الرَّبّ، والمُخاطَبُ مُتَلَقٍّ.

والغِنى الذي يُنزَلُ لا يَلزَمُ أن يَكونَ مالاً مَعدوداً، والجِذرُ يَفتَحُ المَعنى على كُلِّ غِطاءٍ يُغطّي عن الحاجة: فأن يَكونَ في صَدرِ المَرءِ ما يَكفيهِ أمامَ ما يَنوءُ بِه عاتِقُه غِنىً، وأن يَنزِلَ في حَيرَتِه على ما يُسَلّيه غِنىً، وأن يُلاقِيَ مَن يَحمِلُ مَعَه ما لا يَحمِلُه وَحدَه غِنىً، وكُلُّها صُوَرٌ تَدخُلُ في الفِعلِ «أَغنى».

ثُلاثيُّ الإنزال: المَأوى، والطَّريقُ، والسَّعَة

والآياتُ السِّتُّ والسّابِعةُ والثّامِنةُ تَكتُبُ في القَلبِ بُنيةً مُتَكامِلة: اليَتيمُ يَحتاجُ مَوضِعاً يَأوي إلَيه فأوتِيَ مَأوىً، والضّالُّ يَحتاجُ طَريقاً يَستَقِرُّ عَلَيه فأوتِيَ هُدىً، والعائِلُ يَحتاجُ سَعةً تَكفي ما عَلَيه فأوتِيَ غِنىً، فهي ثَلاثُ صُوَرٍ من النَّقصِ تُقابَلُ بِثَلاثِ صُوَرٍ من الكِفاية.

ومَحَلُّ النَّظَرِ أنَّ الفِعلَ في الثَّلاثةِ كُلِّها مُجَرَّدٌ من المَفعولِ المُسَمّى، فلم يَرِدْ «فآواكَ في بَيتِ كذا»، ولا «فَهَداكَ بِعِلمِ كذا»، ولا «فأَغناكَ بِمالِ كذا»، وتُرِكَتِ المَواضِعُ مُجَرَّدةً عن التَّعيين، فهي تَستَوعِبُ كُلَّ صورةٍ نَزَلَ فيها الفِعل. والقارِئُ الذي يَنظُرُ في حَياتِه يَجِدُ هذه المَواضِعَ كَثيرة، ويَجِدُ كُلَّ واحِدةٍ مِنها داخِلةً في فَضاءِ الآياتِ الثَّلاث، فالسّورةُ تَستَدعي حَياةَ القارِئِ كُلَّها شاهِداً.

وهذا الثُّلاثِيُّ مُقَدِّمةٌ لِما يَلي، فالسّورةُ سَتَنتَقِلُ في الآياتِ الثَّلاثِ التّالِيةِ من الذِّكرى إلى الأمر: «فأمّا اليَتيمَ فَلا تَقهَر»، «وأمّا السائلَ فَلا تَنهَر»، «وأمّا بِنِعمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّث». فالمُتَلَقّي يُذَكَّرُ بِما تَلَقّى، ثُمَّ يُؤمَرُ بِأن يَكونَ مَوضِعاً لِنُزولِ الفِعلِ نَفسِه على غَيرِه، ومَن أوتِيَ يَكونُ بَوّاباً لِما يُؤتى.


حَصيلة

هذه الثّالِثةُ من الثَّلاثِ الاستِحضارِيّة: «وَوَجَدَك عائِلاً فَأَغنى». والجِذرُ ع-و-ل الحاجةُ والفَقر، والجِذرُ غ-ن-ي الاكتِفاءُ وعَدَمُ الحاجة. فهي ثَلاثُ لَحَظاتٍ في حَياةِ المُخاطَب: يُتمٌ فإيواء، وضَلالٌ فهِداية، وعَيلةٌ فإغناء، وكُلُّها تَجري على نَمَطٍ واحِد، تَأتي فيه الحاجةُ أوَّلاً ثُمَّ يَنزِلُ ما يُجيبُها، والذِّكرى تُعَدِّلُ ما في القَلبِ من تَوَهُّمِ الإهمال.