الشرح · الآية 1

﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ

«أَلَم نَشرَح»: استِفهامٌ يَكشِفُ ما تَمَّ

صيغةُ «أَلَم نَفعَل» في الكتابِ تَتَكَرَّرُ حيثُ يُرادُ تَثبيتُ القَلبِ على نِعمةٍ قد وُهِبَت، والمُتَكَلِّمُ هُنا لا يَستَفهِمُ عن مَجهول، وإنّما يوقِفُ المُخاطَبَ أمامَ نَفسِه ويَدعوهُ إلى النَّظَر. فالتَّقريرُ يَأتي مَلفوفاً في صورةِ السُّؤالِ لِيَلتَفِتَ القارِئُ إلى نَفسِه قَبلَ أن يَنطِق.

والسُّؤالُ في «أَلَم نَشرَح» يوقِفُ المُخاطَبَ أمامَ ما تَمَّ في باطِنِه، فما كانَ يُخشى ضيقُه قد شُرِح، ومَوضِعُ الحَملِ نَفسُه قد وُسِّع، وصارَ لِلصَّدرِ سَعةٌ فيما كانَ يَنوءُ بِه. والتَّقريرُ يَأتي قَبلَ أيِّ تَكليف، فالسَّعةُ سابِقةٌ على ما سَيُحمَل.

ولِلمُخاطَبِ في هذا السُّؤالِ مَوضِعٌ خاصّ، فالكافُ في «لَكَ» و«صَدرَك» تُفرِدُه بِما وَقَع. والآيةُ تَأتي تَذكِرةً لا اعتِراضاً، والمَعنى أنَّه لو لم يُشرَحْ صَدرُه لَما احتَمَلَ ما يَحمِلُه الآن، فالفِعلُ سَبَق، والقُدرةُ على الحَملِ نَتيجَتُه.

«شَرَح»: فَتحٌ بِبَسط، لا فَتحٌ بِكَسر

وتَتَفَرَّعُ ش-ر-ح في الكَلامِ العَرَبيِّ في صُوَرٍ كُلُّها تَدورُ على البَسط: فشَرحُ القَصّابِ اللَّحمَ بَسطُه لِيَنكَشِفَ ما في باطِنِه، وشَرحُ العالِمِ المَسألةَ بَسطُها حتّى يَظهَرَ ما طُوِيَ فيها، والشَّريحةُ ما يُقطَعُ على وَجهِها فيَتَّسِع. وتَجمَعُ هذه الصُّوَرَ كُلَّها حَرَكةٌ واحِدة، هي انفِتاحُ ما كانَ مَطوِيّاً على ضيقٍ على سَعة.

ولِذلك أوثِرَ «نَشرَح» على «أَلَم نَفتَح لَك صَدرَك»، فالفَتحُ قد يَكونُ بِإزالةِ غِطاء، والشَّرحُ بَسطٌ في الباطِنِ نَفسِه، يَكبُرُ بِه المَوضِع، وتَزيدُ السَّعة، ويَتَّسِعُ ما لم يَكُنْ يَتَّسِع. والصَّدرُ المَشروحُ صَدرٌ اتَّسَعَ لِيَستَقبِلَ ما لم يَكُنْ يَستَقبِلُه من قَبل، وهو غَيرُ الصَّدرِ الخالي.

وقد طَلَبَ موسى عليه السلام هذا الفِعلَ نَفسَه: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾، والسُّؤالُ هُنا في حَقِّ المُخاطَبِ تَذكِرةٌ بِإنجاز، وليسَ طَلَباً، فما طَلَبَه موسى دَعوةً نَزَلَ في حَقِّ المُخاطَبِ تَقريراً. والذي شَرَحَ لِمَن سَبَقَ شَرَحَ لِمَن لَحِق، والاسمُ المُرَبّي لا يَتَخَلّى عَمَّن تَوَلّاه.

«صَدرَك»: مَوضِعُ ضِيقِ الإنسانِ ومَوضِعُ سَعَتِه

والصَّدرُ في الكَلامِ العَرَبيِّ مَنطِقةٌ، وليسَ عُضواً: هو مَوضِعُ الأنفاسِ تَخرُجُ مِنه، ومَوضِعُ الكَلامِ يَنبَعِثُ مِنه، ومَوضِعُ الهُمومِ تَنطَوي فيه. فإذا وُصِفَ المَرءُ بِأنَّه «أكَنَّ في صَدرِه شَيئاً» فالذي يَكتُمُ هو المَوضِعُ الذي يَختَزِنُ ما لا يَنطِقُ بِه اللِّسان، دونَ الصَّدرِ الحِسّيّ.

ولِذلك كانَ شَرحُ الصَّدرِ شَرحاً لِلإنسانِ كُلِّه، فمَن وُسِّعَ صَدرُه وُسِّعَت طاقَتُه على الحَمل، وعلى الفَهم، وعلى العَفو، وعلى الانتِظار. والصَّدرُ المَشروحُ يَستَقبِلُ ما لا يَستَقبِلُه الصَّدرُ الضَّيِّق: يَستَقبِلُ الوَحي، ويَستَقبِلُ الإيذاء، ويَستَقبِلُ الفَترةَ بَينَ النَّجاحَين، وكُلُّها أثقالٌ تَحتاجُ مَوضِعاً يَتَّسِعُ لَها.

ومَن يَسمَعُ السّورةَ كُلَّها على مَدى آياتِها الثَّمانِ يَلحَظُ أنَّها تَبدَأُ من المَوضِعِ نَفسِه، وهو الصَّدر: الصَّدرُ الذي شُرِح، والظَّهرُ الذي رُفِعَ عَنه الوِزر، والذِّكرُ الذي رُفِع، وهي ثَلاثُ حَرَكاتٍ كُلُّها رَفعٌ وبَسط. ومَن قَرَأَ الآيةَ الأُولى مُصغِياً عَرَفَ أنَّ ما يَلي يَأتي مَعَ سَعةٍ قد وُضِعَت في مَوضِعِها، لا مَعَ ضيقٍ يَنتَظِر.


حَصيلة

تَفتَتِحُ السّورةُ بِسُؤالٍ تَقريرِيّ: «أَلَم نَشرَح»، والهَمزةُ مَعَ لامِ النَّفيِ تَستَحضِرُ في القَلبِ ما قد وَقَع، ولا تَطلُبُ جَواباً مَجهولاً. والجِذرُ ش-ر-ح بَسطٌ يَنفَتِحُ من داخِلِ الشَّيءِ فيَتَّسِع، فشَرحُ اللَّحمِ بَسطُه لِيَظهَرَ ما انطَوى فيه، وشَرحُ المَعنى بَسطُه حتّى يَنكَشِف. والصّيغةُ بِنونِ العَظَمة، فهي فِعلٌ يَصدُرُ من سَعةٍ لا تَنفَد. وقد طَلَبَ موسى عَلَيهِ السَّلامُ هذا الفِعلَ نَفسَه: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾، فجاءَ في حَقِّ المُخاطَبِ مُقَرَّراً لا مَطلوباً.