العلق · الآية 1

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ

«اقرأ»: جَمعٌ وضَمٌّ، لا تَتَبُّعٌ بِالعَينِ فَقَط

العربُ كانَت تَقولُ «قَرَأَتِ الناقَةُ» إذا جَمَعَت رَحِمَها على الجَنين، و«قَرَأَتِ المَرأَةُ» إذا جَمَعَت دَمَها في وَقتِه، فالجذرُ يَدورُ على الجَمعِ والضَّمّ، ثُمَّ يَتَفَرَّعُ منه فِعلُ القارئِ الذي يَجمَعُ المَعاني المُتَفَرِّقَةَ في الحُروفِ ويَضُمُّها في فَهمٍ واحد. فَالقُرآنُ اسماً هو المَجموعُ المَضموم، نَصٌّ يَعلَمُ مِن نَفسِه أنَّه جَمعٌ، ويَطلُبُ من قارئِه أن يَجمَعَ كَذَلِك.

وَلِذَلكَ كانَ الأَمرُ المُوَجَّهُ إلى المُخاطَبِ فِعلاً لا تَعريفاً، فعُدِلَ عن نَحوِ «اِبدَأ بِالشَّهادَة» و«اِبدَأ بِالدَّعوة» إلى أن يُقالَ له: اِجمَع، أي اِجمَع نَفسَك على ما يُلقى إليك، واِجمَع الحُروفَ في صَدرِك، واِجمَع المَعاني في فَهمِك. فالقِراءَةُ في هذا الكِتابِ احتِواءُ صَدرٍ لِما يَنزِل، وليسَت مُرورَ عَينٍ على مَكتوب.

«بِاسمِ رَبِّك»: القراءَةُ تَقَعُ تَحتَ علامَةٍ مَرفوعَة

والباءُ في «بِاسمِ» هي الباءُ نَفسُها التي افتَتَحَتِ الكِتابَ في البَسمَلَة، والقارئُ بِها يَقرَأُ بِـ، أي مَصحوباً مُستَعيناً مُلتَصِقاً، ولا يَقرَأُ مِن ذاتِه ولا بِسُلطانِ نَفسِه. ومَن نَزَعَ هذه الباءَ من قِراءَتِه قَرَأَ نَفسَه في النَّصّ، لا النَّصَّ في نَفسِه.

والاسمُ هنا اسمُ الصِّفَة رَبِّك، دونَ اسمِ الذاتِ المُجَرَّد. والرَّبُّ في جَذرِه ر-ب-ب صِفَةُ تَربيَةٍ مُلتَصِقَةٍ مُستَمِرَّة، وجريانٌ يَلتَصِقُ بِما يَجري فيه، فَالقراءَةُ الأُولى تَقَعُ تَحتَ تَربيَةٍ قَريبة، لا تَحتَ سُلطانٍ بَعيد، والذي يَأمُرُ بِالقِراءَةِ هو الذي يُربِّي القارئَ في القِراءَة. والاسمُ المَرفوعُ هو نَفسُه الاسمُ الذي يَنزِلُ إلى الجَذرِ ويَنمو فيه.

«الَّذي خَلَق»: الصِّلَةُ التي تُعَرِّفُ الرَّبَّ بِفِعلِه

و«الَّذي خَلَق» صِلَةٌ مُطلَقَة، عُدِلَ فيها عن «الذي خَلَقَ السماواتِ والأَرض» و«الذي خَلَقَ الإنسان» إلى قَطعِ الجُملَةِ بَعدَ الفِعلِ خَلَق، فلا مَفعولَ له، فَيَدخُلُ تَحتَه كُلُّ مَخلوق، ويَدخُلُ القارئُ نَفسُه أوّلاً، ثُمَّ تَأتي الآيةُ التَّاليَةُ لِتُفصِحَ عَمّا أَجمَلَتهُ هذه: خَلَقَ الإنسانَ من عَلَق.

وفي البَقَرَة، حينَ أَرادَ الرَّبُّ أن يُعَرِّفَ المَلائكَةَ بِخَليفَتِه، قالَ: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، والخَلقُ يَستَدعي الخِلافَة، والخِلافَةُ تَستَدعي العِلم، ولِذَلكَ ما إن يَقولَ هُنا «خَلَق» حتى يَلحَقَ به في الآياتِ الآتيَة: «عَلَّمَ بالقَلَم»، والخَلقُ والتَّعليمُ في هذا الكِتابِ بابانِ من بَيتٍ واحد.

والقارئ إذ يَسمَعُ «الذي خَلَق» يَتَذَكَّرُ أنَّه نَفسُه مِن خَلقِه، وأنَّ الذي يَأمُرُه بِالقِراءَةِ هو الذي خَلَقَه قارئاً، ولا يُؤمَرُ بِفِعلٍ إلّا مَن جُهِّزَ لَه. فالكَلِمَةُ الأُولى في الوَحيِ تَقولُ ضِمناً: أنتَ مَخلوقٌ لِتَقرَأ.


حَصيلة

أَوَّلُ هذه السورةِ أَمرٌ لا خَبَر، وفِعلٌ لا تَعريف. و«اقرأ» (ق-ر-أ) أَصلُ جذرِه جَمعٌ وضَمّ، لا تَتَبُّعُ عَينٍ على سَطر، فالمَرأةُ تَقرأُ دَمَها إذا جَمَعَته في وَقتِه، والناقَةُ تَقرأُ رَحِمَها إذا ضَمَّتِ الجَنينَ، والأَمرُ لِلمُخاطَبِ «اِجمَع ما يُلقى إلَيكَ واضمُمه في صَدرِك»، ولا يَقِفُ عند النُّطق. والفِعلُ مُقَيَّدٌ غَيرُ حُرّ، فـ«بِاسمِ» باءُ المُصاحَبَةِ نَفسُها التي افتَتَحَتِ الكِتابَ في البَسمَلَة، ومَن يَنزِعُها من قِراءَتِه يَقرأُ نَفسَه في النَّصِّ لا النَّصَّ في نَفسِه. و«رَبِّك» (ر-ب-ب) جَريانٌ مُلتَصِقٌ يُربِّي صاحِبَه وهو يَجري فيه، فالقارئُ يَقرأُ تَحتَ تَربيَةٍ قَريبَة، لا تَحتَ سُلطانٍ بَعيد. ثُمَّ «الذي خَلَق» صِلَةٌ مُطلَقَةٌ بلا مَفعول، يَدخُلُ تَحتَها كلُّ مَخلوق، والقارئُ نَفسُه أَوَّلاً.