البقرة · الآية 91

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ

(أ م ن)+(ن ز ل): اتِّساعُ المَصدَر

الأمرُ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ مَبنِيٌّ على عُمومٍ لا يَحتَمِلُ تَخصيصاً: «ما» مَوصولةٌ مُطلَقة، و«أنزَلَ اللَّه» يَشمَلُ كُلَّ ما نَزَلَ من عِندِه، قَبلَهُم وبَعدَهُم. فالإيمانُ في هذا المَوضِعِ إعطاءُ أمانٍ لِلمَصدَرِ أنّى نَزَل، وليسَ قَناعةً بِمَذهَب، والجَوابُ المَقصودُ أن يُقابَلَ هذا العُمومُ بِعُمومٍ مِثلِه.

«نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا»: حَصرٌ بِالقَناة

وجَوابُهُم يُبَدِّلُ الشَّرطَ جُملةً، من «بِما أنزَلَ اللَّه» إلى «بِما أُنزِلَ عَلَينا»، والحَصرُ فيه واقِعٌ على القَناةِ دونَ الحَقّ: القَبيلةِ، والكِتابِ الذي جاءَ إلَيها، والطَّريقِ الذي تَعرِفُه. فصارَ الأمانُ مَرهوناً بِالبَريدِ لا بِالمُرسِل، ومَنَعوا ما وَراءَ بَريدِهِم حَتّى لَو كانَ من اللَّهِ نَفسِه.

(ك ف ر)+(و ر ي): تَغطيةُ ما يَمتَدُّ خَلف الكِتاب

و«و ر ي» نَواتُها ور، وهي وَصلٌ يَجري ويَمتَدّ، والياءُ امتِدادٌ لَطيفٌ يَسري، فـ«الوَراءُ» ما يُحيطُ بِالمَرئِيِّ ويَمتَدُّ خَلفَه. وفِعلُ الكُفرِ هُنا، وهو وَضعُ الغِطاء، يَقَعُ على هذا الامتِداد، أي على كُلِّ ما يُكَمِّلُ الكِتابَ الأوَّلَ ويُفَصِّلُه. وهُم يُدرِكونَ أنَّ خَلفَ كِتابِهِم مَزيداً، فيُغَطّونَه لِيَبقى الكِتابُ حِكراً على جَماعَتِهِم.

(ح ق ق)+(ص د ق): المُصَدِّقُ لا يُناقِض

والتَّوصيفُ القُرآنِيُّ لِلنَّصِّ الجَديدِ صَريح: وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾، والحَقُّ بِالثَّباتِ لا بِالحادِثة، و«مُصَدِّقاً» حالٌ مُلازِمة. والتَّصديقُ في (ص د ق) إثباتٌ لِلصِّلةِ لا نَسخٌ لِلأوَّل، فرَفضُ الثّاني رَفضٌ لِلأوَّلِ مَعَه، لأنَّ الأوَّلَ يَشهَدُ لِلثّاني بِالتَّصديق، ومَن أنكَرَ الشَّهادةَ أنكَرَ الشّاهِد.

(ق ت ل)+(ن ب أ): الكِتابُ يَشهَدُ عَلى صاحِبِه

والسُّؤالُ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾ إلزامٌ، وليسَ استِفهاماً. والنَّبِيُّ من (ن ب أ)، وهو نُفوذٌ من الغَيبِ يَبرُز، والأنبِياءُ المَقتولونَ جاؤوا من داخِلِ بَني إسرائيل، من «عَلَينا» نَفسِها. فلَو كانَ مَنعُ الجَديدِ بِسَبَبِ اختِلافِ القَناةِ لَما وَقَعَ القَتلُ على قَناتِهِم ذاتِها، وبِذلك تَنهارُ العِلّةُ المَزعومة، ويَظهَرُ أنَّ الرَّفضَ رَفضُ المَصدَرِ لا رَفضُ الطَّريق، وأنَّ الكِتابَ الذي احتَمَوا بِه هو أوَّلُ ما يَشهَدُ عَلَيهِم.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، و«الإيمانُ بِما أُنزِلَ عَلَينا» حَصرٌ لِدَورِ التَّلَقّي في قَبيلة، وليسَ دَرَجةً في الإيمانِ بِاللَّه، وسُؤالُ الأنبِياءِ المَقتولينَ يَكشِفُ أنَّ الحَصرَ كانَ حِمايةً لِلمَوقِعِ الذي يَتَكَلَّمُ بِاسمِ الكِتاب، ولم يَكُن حِمايةً لِلكِتاب.


حَصيلة

الأمرُ «آمِنوا بِما أنزَلَ الله» عُمومٌ لا يَحتَمِلُ تَخصيصاً، و«ما» فيه مَوصولةٌ مُطلَقةٌ تَشمَلُ كُلَّ ما نَزَلَ قَبلَهُم وبَعدَهُم. والجَوابُ يُبَدِّلُ الشَّرطَ جُملةً: «بِما أُنزِلَ عَلَينا»، والحَصرُ وَقَعَ على القَناةِ (القَبيلة، والكِتابُ الذي جاءَ إلَيها) لا على المَصدَر، وصارَ الأمانُ مَرهوناً بِالبَريدِ لا بِالمُرسِل، ومَنَعوا ما وَراءَ بَريدِهِم حَتّى لَو كانَ من اللهِ نَفسِه. وو-ر-ي: الوَراءُ ما يُحيطُ بِالمَرئِيِّ ويَمتَدُّ خَلفَه، وهُم يُغَطّونَ هذا الامتِدادَ بِفِعلِ ك-ف-ر. والإلزامُ الذي يُقيمُه «مُصَدِّق لِما مَعَهُم» خَطير: مَنِ اعتَرَفَ بِالمُصَدَّقِ لَزِمَه الاعتِرافُ بِالمُصَدِّق، ومَن رَفَضَ المُصَدِّقَ فقد شَهِدَ ضِدَّ مُصَدَّقِه. ثُمَّ يُغلِقُ السُّؤالُ البابَ: «فَلِمَ تَقتُلونَ أنبِياءَ اللهِ من قَبلُ إن كُنتُم مُؤمِنين؟». وأُولَئِكَ الأنبِياءُ كانوا من «عَلَينا» ذاتِها، ولَو كانَ ادِّعاءُ تَحديدِ القَناةِ حِمايةً لِلكِتابِ لَما وَقَعَ القَتلُ على قَناتِهِم ذاتِها. والكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح: رَبطُ الأمانِ بِالقَناةِ دَورٌ يَبدَأُ بِتَمَلُّكِ الكِتابِ ويَنتَهي بِقَتلِ حامِليه.