البقرة · الآية 135

﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

«كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى»: الدَّعوةُ إلى الاسمِ لا إلى الفِعل

صيغَةُ الأمرِ «كونوا» تَطلُبُ صَيرورةً في الاسمِ لا في الحال. لم يَقولوا «اعمَلوا عَمَلَ الأنبياء» ولا «اتَّجِهوا لِرَبِّ العالَمين»، بَل طَلَبوا انتِساباً إلى تَسميَة: «هُوداً أو نَصارى». و«أَو» هنا تَخييريّةٌ كاشِفَة: الطائفَتانِ مُتَنافِسَتانِ في السياقِ السابِق، ولَكِنَّهُما يَتَّفِقانِ على شَرطٍ واحِد، أنّ الهُدى مَوقوفٌ على عُضَويّةِ الاسم. فالآيةُ تَكشِفُ أنّ كُلَّ دَعوى احتِكاريّةٍ تُوَحِّدُ بَينَ الخَصمَينِ من حَيثُ بِنيَتُها: مَن جَعَلَ الهُدى رَهيناً بِاسم، شارَكَ خَصمَه في نَفسِ القَفَص.

(ه و د): من «هادوا» فِعلاً إلى «هُوداً» اسماً

جذر (ه و د) في أصلِه فِعلٌ: «هادوا» أي رَجَعوا وتابوا، وهو وَصفٌ شَريفٌ يُشيرُ إلى حالِ الرُّجوعِ إلى الله. أمّا «هُوداً» فاسمٌ جامِدٌ يَصِفُ انتِساباً إلى جَماعةٍ بِعَينِها، انقَطَعَ من فِعلِ الرُّجوعِ إلى مُجَرَّدِ تَوارُثِ التَسميَة. هذا الانتِقالُ من الفِعلِ إلى الاسمِ هو جَوهَرُ الإشكالِ الذي تُعَرِّيه الآية: الاسمُ الذي كانَ ذاتَ يَومٍ وَصفاً لِفِعلٍ صالِحٍ تَحَوَّلَ إلى شِعارِ احتِكار. وكذلك «النَّصارى» من جَذرِ (ن ص ر): كانَ نُصرَةً لِلمَسيحِ في رِسالَتِه، صارَ تَسميَةً يَتَسَمّى بها من لا يَنصُر.

(م ل ل): «بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ» رَدُّ الحُجّةِ إلى ما قَبلَ الأسماء

«بَلْ» حَرفُ إضرابٍ يُبطِلُ ما قَبلَه، ويُثبِتُ غَيرَه. والمُبطَلُ هنا هو الاحتِكار، والمُثبَتُ هو مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾. وجَذرُ (م ل ل) تَقَدَّمَ: طَريقٌ يَحفُرُه السَّيرُ المُتَكَرِّر. فإبراهيمُ سابِقٌ لِكُلِّ تَسميَةٍ من الطائِفَتَين، ومِلّتُه مَفتوحةٌ على كُلِّ من سارَ سَيرَه. الجَوابُ لا يَختارُ طائفَةً ثالِثَة، هو يَسحَبُ النِزاعَ إلى طَبَقَةٍ سابِقَةٍ على الطَوائفِ كُلِّها: ما قَبلَ التَسميَة.

(ح ن ف): الحَنيفُ وَضعٌ لا طائفَة، ميلٌ عن الزَّيفِ قَبلَ الوُصولِ إلى الحَقّ

جذر (ح ن ف) نُواتُه (ح ن) = خُلوصٌ يَنفُذُ إلى الباطِن، والفاءُ فَصلٌ يَتَفَرَّق. فالحَنيفُ في بِنيةِ جِذرِه من خَلُصَ باطِنُه وانفَصَلَ عن الانحِرافات. ومنه «الحَنَف» في اللغة: ميلُ القَدَم، أصلُها الانفِصالُ عن الاستِقامةِ الظاهِريّةِ في الوَقفَة، ثمّ استُعمِلَت لِوَصفِ من يَنفَصِلُ عن الباطِلِ نَحوَ الحَقّ. والحَنيفُ إذَن وَضعٌ للجَسَدِ مَيّالٌ عن الزَّيف، قَبلَ أن يَكونَ انتِماءً إلى مَذهَب. فإبراهيمُ انحَرَفَ عن الأصنامِ قَبلَ أن يَصِلَ إلى رَبِّ العالَمين، والحَنيفِيّةُ في هذا المَعنى مَرحَلَةٌ بِنيويّةٌ: التَخَلّي عن الزائِفِ شَرطٌ لِاستِقبالِ الصَحيح.

(ش ر ك): «وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» نَفيُ قَسمَةِ الوَلاء

جذر (ش ر ك) نُواتُه (ش ر) = انتِشارٌ يَمتَدّ، والكافُ تَجَمُّع. فالشِّركُ في بِنيةِ جِذرِه انتِشارُ الوَلاءِ وتَوَزُّعُه على أكثَرَ من مَركَز. وقَولُه وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ يَختِمُ الآيةَ بِنَفيٍ صَريح: إبراهيمُ لم يَقسِم وَلاءَه. وهذا هو الوَجهُ الثاني لِلحَنيفِيّة: كما أنّها ميلٌ عن الزائف، هي جَمعٌ لِلوَلاءِ في وِجهةٍ واحِدَة. ولا يَسبِقُ أحَدُهما الآخَر: الذي يَنحَرِفُ عن الزائفِ ولم يُوَحِّد مَركَزَه يَبقى ضائِعاً، والذي يَدَّعي تَوحيدَ المَركَزِ ولم يَنحَرِف عن الزائفِ قد أشرَكَ دونَ أن يَدري.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: الحَنيفُ في الآيةِ وَضعٌ سابِقٌ لِكُلِّ تَسميَة، ميلٌ عن الزَّيفِ وتَجميعٌ لِلوَلاءِ في مَركَزٍ واحِد، ومِلّةُ إبراهيمَ مَفتوحةٌ لِكُلِّ من تَبَنَّى الوَضعَ، لا مَحصورَةٌ في أهلِ الاسم.


حَصيلة

تَفتَحُ الآيةُ بِمَشهَدٍ تَنافُسيٍّ: كُلُّ طائِفَةٍ تَدعو إلى اسمِها وتَجعَلُ الهُدى رَهيناً بِعُضويَّتِه. والدَعوتانِ تَختَلِفانِ في المَضمونِ لَكِنَّهُما تَتَّفِقانِ في البِنيَة: من جَعَلَ الهُدى رَهيناً بِاسمٍ شارَكَ خَصمَه في نَفسِ القَفَص. والجَوابُ «بَلْ» يُبطِلُ هذا الإطارَ كُلَّه ثمّ يُثبِتُ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ بِجذرِ (م-ل-ل): طَريقٌ يَنحَفِرُ بِالسَّيرِ المُتَكَرِّر، أقدَمُ من كُلِّ تَسميَة. وتَأتي «حَنيفاً» من جذرِ (ح-ن-ف) وَصفاً لِوَضعٍ لا لِانتِماء: نَقاءٌ باطِنيٌّ يَنفَصِلُ عن الانحِرافِ نَحوَ الحَقّ، وأصلُها لُغَوياً ميلُ القَدَمِ، وَضعُ الجَسَدِ لا لافِتةُ الجَماعَة. وتَختِمُ الآيةُ بِنَفيِ الشِّركِ من جذرِ (ش-ر-ك) الذي هو في بِنيَتِه انتِشارُ الوَلاءِ على أكثَرَ من مَركَز: وَجهُ الحَنيفِيّةِ الثاني، لا يَكتَمِلُ الميلُ عن الزائفِ إلا بِتَجميعِ الوَلاءِ في مَصدَرٍ واحِد. والجامِعُ في الآية: (ح-ن-ف) و(م-ل-ل) يَصِفانِ وَضعاً ومَساراً لا طائِفَةً ولا عَلَماً.