البقرة · الآية 166

﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ

إِذْ تَبَرَّأَ: «إذ» الظرفيّة مُعَلَّقةٌ بفعل «يَرى» في 165، ومشهدٌ واحدٌ ممتدّ

افتُتِحَت الآيةُ بـ«إذ»، وهي ظرفُ زمانٍ لا يَستَقِلُّ بنفسه، ويَتَعَلَّقُ بعاملٍ قَبلَه، والعاملُ هنا «يَرى الذين ظلموا» في الآية السابقة. فالآيةُ 166 استكمالٌ لما يُرى، وليست مشهداً جديداً: «لو يَرى الذين ظلموا... وقت أن يَرَوا العذاب... وقت أن يَتَبَرَّأ المتبوعون من التابعين». وهذا الرَّبطُ بين الآيتَين يَكشِفُ أنَّ العذابَ في التصوّرِ القرآني بِنيةُ انكشافٍ تَتَكَوَّنُ من ثلاثة مشاهد متتابعة في لحظةٍ واحدة، ولا يَقِفُ عند الألمِ الحسّيّ: إدراكُ أنَّ القوّة لله جميعاً، ومشاهدةُ العذاب، ثمّ براءةُ المتبوعين، فالعذابُ مركّبٌ لا مفرد. والظرفُ «إذ» يَشُدُّ الأحداثَ الثلاثةَ في إطارٍ زمنيٍّ واحد، أي أنّها تَحصُلُ معاً لا على التعاقب.

الَّذِينَ اتُّبِعُوا والَّذِينَ اتَّبَعُوا: تضادُّ البناء للمجهول والمعلوم يكشِفُ موقعَ القوّة

والصيغتان من جذر (ت ب ع) نفسه، غيرَ أنّ البناءَ النحويَّ وَضَعَهُما في موقعَين متضادَّين. و«اتُّبِعوا» مبنيٌّ للمجهول، أي أنّ فعلَ الاتّباعِ وَقَعَ عليهم ولم يَفعلوا شيئاً. وأمّا «اتَّبَعوا» فمبنيٌّ للمعلوم، فهم الذين فَعَلوا الاتّباعَ بأنفسهم. واللافتُ أنَّ الذي كان في موقعِ القوّةِ في الدنيا (المتبوع القائد) يَظهَرُ في الآية فعلاً مجهولاً، وكأنّه هو أيضاً قد وَقَعَ عليه شيءٌ لا يَملِكُه، ولم يَقُد في الحقيقة. وأمّا الذي كان في موقعِ الخضوعِ في الدنيا (التابع) فيَظهَرُ فاعِلاً، وهو الذي اختار أن يَتَّبِع. فالآيةُ تُعيدُ توزيعَ المسؤوليّة: القائدُ ليس قائداً في الحقيقة، والتابعُ هو المسؤولُ عن اتّباعِه. وجذر (ت ب ع) في صيغة «افتَعَل» من أبنية المَزيد يُفيدُ التكلّفَ والاختيار، و«اتَّبَعوا» اختاروا اتّباعاً ولم يَقَعوا فيه.

تَبَرَّأَ... مِنَ: تفعّلٌ من (ب ر أ) بغيرِ رجعة، ومِن التبعيضيّة للانفصال

ومادّةُ (ب ر أ) تُفيدُ الخروجَ التامّ من الشيء، فالبراءةُ خروجٌ قاطع. وجاءَ الفعلُ على بابِ تَفَعَّل، «تَبَرَّأ» دون «بَرِئَ»، وتَفَعَّلَ يُفيدُ التكلّفَ والتدريجَ والإعلان، والمتبوعُ هنا يُعلِنُ البراءةَ إعلاناً مُتَعَمَّداً، لا بَراءةً عفويّة. و«مِن» بعد «تَبَرَّأ» تبعيضيّة-انفصاليّة، أي خرجَ من جماعتِهم وانفصلَ عنهم، فالصياغةُ كاملةً إعلانٌ مُتَعَمَّدٌ بالانفصال. والمتبوعُ يَحتاجُ إلى هذا الإعلان لأنَّ العلاقةَ في الدنيا كانت تَربِطُه بهم رباطَ اتّباعٍ ظاهر، فلمّا انكَشَفَ العذابُ اضطُرَّ إلى قطعِ الحبلِ من طرفِه. والغريبُ أنَّ البراءةَ من جِهَةٍ واحدة: المتبوعُ هو الذي تَبَرَّأَ من التابع، والتابعُ لم يَتَبَرَّأ منه، لأنَّه لا يَزالُ يَتَمَسَّكُ بما كان يَظُنُّه سندَه، حتّى حين يَتَبَرَّأُ المتبوعُ منه.

وَرَأَوُا الْعَذَابَ: تكرارُ جذر (ر أ ي) في المشهد كلِّه، والرؤيةُ المباشرةُ لا الإخبار

وجذر (ر أ ي) يَتَكَرَّرُ في هذا المشهد أربعَ مرّات: «لو يَرى الذين ظلموا» (165)، و«إذ يَرَون العذاب» (165)، ثمّ هنا «ورَأَوا العذاب» (166)، ثمّ «يُريهِمُ اللهُ أعمالَهُم» (167). وهذا التكرارُ بناءٌ مقصود، وليس زِيادة، والعذابُ عند القرآن مشاهدةٌ تُرى، وليس معلومةً يُخبَرُ بها. والفرقُ بين الخبرِ والرؤية هو عينُ الفرق بين إيمانِ الدنيا وإيمانِ الآخرة: المؤمنُ في الدنيا يُصَدِّقُ بلا رؤية، والكافرُ في الآخرة يَرى بعد فواتِ التصديق. فقوله «ورَأَوا العذاب» انكشافُ الخبرِ رؤيةً، أي انقلابُ الغَيبِ شهادةً. ومَجيءُ الفعلِ ماضياً «رَأَوا» لا مضارعاً يُفيدُ تحقّقَ الوقوع، فالمشهدُ قد انتهى وهم فيه، ولا يَستَطيعون إنكاره.

وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ: تفعّلٌ من (ق ط ع)، والباءُ التعدية، و(س ب ب) الحبلُ الواصِل

و«تَقَطَّعَت» على بابِ تَفَعَّلَ مع تضعيفِ العَين يُفيدُ المبالغةَ في وقوعِ الحدثِ على المفعول، فهو قطعاتٌ متعدّدةٌ في آنٍ واحد، وليس قطعاً واحداً. والفعلُ جاء مُسنَداً إلى الأسباب، وهي الفاعلة، أي أنَّ الأسبابَ قَطَّعت ذاتَها. والباءُ في «بهم» تَعدية-سببيّة، ويَحتَمِلُ المعنى «تَقَطَّعَت بسببهم»، أي أنَّ ظلمَهم نفسَه كان سبباً لتقطّعِها، أو «تَقَطَّعَت وهم مُعَلَّقون بها»، أي أنَّ الحبالَ انقَطَعَت وهم بعدُ مُتَشَبِّثون. وأصلُ (س ب ب) الحبل، والسببُ حبلٌ يَصِلُ طَرفاً بطرَف، وجُمِعَ على «أسباب» للتكثير، فكُلُّ الوسائل التي ربَطوا أنفسَهم بها من قوّةٍ وسُلطةٍ وثروةٍ ومحبوبٍ تَنقَطِعُ دفعةً واحدة، ولا يَبقى لهم شيءٌ يَتَعَلَّقون به. والمشهدُ يَختِمُ ما سَبَق: المتبوعُ تَبَرَّأ، والعذابُ رُؤِي، والأسبابُ انقَطَعَت، فلم تَبقَ علاقةٌ من فوق ولا من تحت ولا في الأُفُق.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«اتُّبِعوا» و«اتَّبَعوا» موقعان نحويّان يَكشِفان حقيقةَ المسؤوليّة، وليسا لقبَين، و«تَبَرَّأ» إعلانُ خروجٍ بصيغةِ تَفَعَّل، غيرُ موقفٍ عاطفيّ، و«الأسباب» حبالٌ تُعَلَّقُ عليها النفوسُ ثمّ تَنقَطِعُ دفعةً واحدة، وليست عَوَناً كونيّاً. فمن جَعَلَ نِدّاً موقِعَ اتّباع وَجَدَ النِّدَّ يَتَبَرَّأُ منه في لحظةِ الحاجة، والأسبابُ التي بناها تَتَقَطَّعُ به وهو بعدُ مُتَشَبِّثٌ بطَرَفِها.


حَصيلة

الآيةُ ذيلٌ على مشهَدِ لحظةِ العَذابِ في 165، تَستَكمِلُه بِثَلاثَةِ أَحداثٍ مُتَزامِنَةٍ مَشدودَةٍ بـ«إذ» إلى فعلِ «يَرى»: إدراكُ أنَّ القُوَّةَ لله جَميعاً، ثمَّ وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ رُؤيَةً مُباشِرَةً لا خَبَراً، ثمَّ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾. والصِّياغَةُ النَّحوِيَّةُ تُعيدُ توزيعَ المَسؤولِيَّة: «اتُّبِعوا» مَبنيٌّ للمجهولِ كأنَّ المَتبوعَ لَم يَفعَل شيئاً، و«اتَّبَعوا» مَعلومٌ بفاعِلٍ ذاتيٍّ لأنَّ التابِعَ هو المَسؤولُ الأصليُّ عَن اختِيارِه. والتَّبَرُّؤُ (ب-ر-أ) على بابِ تَفَعَّلَ يُفيدُ الإعلانَ المُتَعَمَّدَ لا البَراءَةَ العَفوِيَّة، ويَجري في اتِّجاهٍ واحِد: المَتبوعُ يَتَبَرَّأُ والتابِعُ لا يَزالُ مُتَمَسِّكاً. ثمَّ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾، و«الأسباب» في أصلِها حِبالٌ (س-ب-ب)، وتَفَعَّلَ مع تَضعيفِ العَينِ يُفيدُ القَطعَ المُتَعَدِّدَ الآنيّ، وكُلُّ ما عَلَّقوا به، ثَروَةً وسُلطَةً ومَحبوباتٍ، يَنقَطِعُ دُفعَةً واحِدَة، فلا تَبقى صِلَةٌ من فَوق ولا من تَحت ولا في الأُفُق.