البقرة · الآية 167

﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ

وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا: واوُ العطف على مشهد 166، والماضي للمستقبل المحقَّق

الواوُ هنا عاطفةٌ على ما قَبلَها: «تَبَرَّأ الذين اتُّبِعوا... وقال الذين اتَّبَعوا». فالمشهدُ واحدٌ ذو صوتَين: صوتُ المتبوعِ الذي يَتَبَرَّأ، وصوتُ التابعِ الذي يَتَمَنّى. والتمييزُ جاء بنفسِ الصيغةِ النحويّةِ التي فَصَلَت الطَّرَفَين في 166: «اتُّبِعوا» مجهول لا فاعلَ له، «اتَّبَعوا» معلومٌ بفاعلٍ ذاتيّ. فالآيةُ تُكَرِّسُ أنَّ التابعَ هو المسؤولُ الأصليّ. وفعل «قال» جاء ماضياً لا مضارعاً رغمَ أنَّ الحدثَ آتٍ في المستقبل، وهذه سِمَةٌ متكرّرةٌ في هذا المشهد منذ 165: «إذ يَرَون»، «تَبَرَّأ»، «رَأَوا»، «تَقَطَّعَت»، «قال». كُلُّها أفعالٌ ماضيةٌ تَحكي مستقبلاً لتأكيدِ تَحَقُّقِه كأنَّه وَقَعَ فعلاً. فالقرآنُ لا يَرجوك أن تُصَدِّقَ بل يَنقُلُ إليك الحدثَ وقد وَقَعَ.

لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً: «لو» الامتناعيّة مع التمنّي، وجذر (ك ر ر) للعَودِ المُكَرَّر

«لو» هنا حرفُ تمنٍّ لا حرفُ شرطٍ محض: وإن كانَت في أصلِها امتناعيّة، فإنّها إذا دَخَلَت على أُمنيةٍ مستحيلةٍ أفادَت التحسّرَ على ما فات. ومَجيءُ «أنَّ» بعدها يُحَوِّلُ الجملةَ الفعليّةَ المتوقَّعة إلى مصدرٍ مؤوَّل: «لو كان لنا كرّة». وتقديمُ الخبر «لنا» على المبتدأ «كرّة» يُفيدُ الاختصاص: نَسألُ العودةَ لأنفسنا دون سوانا. و«كَرّة» من جذر (ك ر ر) المُكَرَّرِ العين الذي يُفيدُ العَودَ على الشيءِ مرّةً بعد مرّة: الكافُ قَبضٌ، والراءُ استرسال، والراءُ الثانية تكرارٌ للاسترسال. فالكرّةُ ليست مجرّدَ عودةٍ بل عودةٌ قابلةٌ للتكرار: فرصةٌ لإعادةِ التَّجربةِ بأكملها. وتنكيرُ «كرّةً» يُفيدُ التقليل: أيُّ فرصة، ولو صغيرة. فالتابعُ لا يَطلُبُ حياةً جديدةً كاملة بل جولةً واحدة يُصَحِّحُ فيها موقِعَه.

فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا: فاءُ السببيّة، وكافُ التشبيه، وعكسُ اتّجاهِ البراءة

الفاءُ في «فنتبرّأ» فاءُ السببيّةِ بعد تمنٍّ، ونَصَبَ الفعلَ المضارعَ بـ«أن» مُضمَرةٍ وجوباً. والمعنى: لو أُتيحَت لنا الكَرّةُ لَكان نتيجتُها البراءةَ المضادّة. وكافُ «كما» للتشبيه، و«ما» مصدريّة: «مثلَ تَبَرُّئِهم منّا». فالآيةُ تَكشِفُ مُفارَقة: التابعُ الآن يُريدُ أن يَتَبَرَّأ، لكنَّه يُريدُ ذلك بعدَ أن تَبَرَّأ المتبوعُ أوّلاً. فالتبرّؤُ في الدنيا كان ممكناً وبسَبقٍ ذاتيّ، وصار في الآخرة تكراراً تابعاً لخُصمِه. والمتبوعُ تَبَرَّأ حين فَقَدَ التابعَ القدرةَ على النفع، والتابعُ يُريدُ أن يَتَبَرَّأ حين فَقَدَ الفُرصةَ. فالرَّغبةُ في الإصلاحِ لا تُقاسُ بوجودِها بل بموعدِها. وتَفَعَّلَ «نَتَبَرَّأ» على وزنِ «تَبَرَّأ» في 166 يُفيدُ نفسَ التَّكَلُّفِ والإعلان: لو أُعيدوا لَصَرَّحوا بالانفصال صراحةً متكلَّفة لا بَراءةً عفويّةً، وهذا الصياغةُ تَفضَحُ نوعَ بَراءَتِهم المُرتَجاة: بَراءةٌ من غَضَبٍ لا بَراءةٌ من إدراك.

كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ: فعلُ الإراءة وتصييرُ الأعمالِ حَسَرات

«كذلك» إشارةٌ معقودةٌ بكافِ التشبيه: على هذا المِنوالِ الذي رأيتَ من التبرّؤ وقَطعِ الأسباب وانكشاف العذاب، على هذا المِنوالِ ذاتِه «يُريهم». وفعلُ «يُرى» على بابِ أَفعَل «أَرى» المُتَعَدّي إلى مفعولَين: اللهُ هو الفاعل، و«هم» المفعولُ الأوّل، و«أعمالَهم» المفعولُ الثاني، و«حَسَراتٍ» حالٌ أو مفعولُ التصيير الثالث. ومعنى هذا التركيب: أنَّ اللهَ يَعرِضُ عليهم أعمالَهم في هيئةِ حَسَراتٍ لا في هيئةِ أعمال. فالعملُ ذاتُه تَحَوَّلَ عندهم إلى حسرة. وهذا تصويرٌ دقيق: ليس العقابُ شيئاً خارجيّاً يُضافُ إلى العمل بل هو العملُ نفسُه يَتَحَوَّلُ وجهُه. وجذر (ح س ر) يُفيدُ الكشفَ والإعياءَ معاً: حَسَرَ الثوبَ أزاحَه عن الشيء، فانكشفَ. والحسرةُ انكشافُ الحقيقةِ بعدَ غشاوة، والإنسانُ يَنكَسِرُ أمامَها. وجَمعُ «حَسَرات» بالتاء يُفيدُ التكثيرَ والتوالي: ليست حسرةً واحدة بل موجاتٌ متلاحقة. و«عليهم» بلامِ الاستعلاء: الحسراتُ تُثَقِّلُ عليهم لا تَعبُرُ من فوقهم.

وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ: نَفيٌ مُؤَكَّدٌ بالباء، واسمُ فاعلٍ للثبات

خَتَمَت الآيةُ بنفيٍ مُؤَكَّد: «ما» النافيةُ الحجازيّة + «هم» اسمُها + «بخارجين» خبرُها مجرورٌ لفظاً منصوبٌ محلاًّ. والباءُ في «بخارجين» زائدةٌ للتوكيد، تَدخُلُ على خبر «ما» و«ليس» لتَشديدِ النفي. أي أنَّ النفيَ لا يَقبَلُ التأويلَ ولا التخفيفَ. ومَجيءُ الخبرِ اسمَ فاعلٍ «خارجين» بدَلَ الفعلِ المضارع «يَخرُجون» يُفيدُ الثبات: ليسوا خارجين لا الآن ولا مستقبلاً ولا بهيئةٍ من الهيئات. وكلمةُ «خارج» على وزنِ فاعل تَدُلُّ على المتّصِفِ بالخروج، ونَفيُها يَنفي الصفةَ لا الفعلَ فقط. والفرقُ دقيق: «لا يَخرُجون» قد يَحتَمِلُ لحظةً مستقبليّةً يَخرُجون فيها، أمّا «ليسوا خارجين» فتَنفي اتّصافَهم بالخروجِ أصلاً. و«مِن النار» مِن الابتدائيّة: النارُ مكانُ بدءِ الخروجِ المنفيّ. وقد وَصَلَ المشهدُ إلى ختامه: التَّمَنّي لا يُستَجاب، والأعمالُ تَنقَلِبُ حَسَرات، والباب لا يُفتَح.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «الكَرّة» ليست حياةً ثانيةً بل فُرصةُ إعادةٍ لجولةٍ فُقِدَت، و«الحَسَرات» ليست ندماً عاطفيّاً بل أعمالٌ انكَشَفَ وجهُها فظَهَرَت حُمولاً ثقيلة، و«النار» ليست مكاناً يُدخَلُ ويُخرَج بل صِفةٌ لازمةٌ لمن اتَّصَفَ بها بصيغةِ اسمِ الفاعل المنفيّ. فمن انتَظَرَ التبرّؤَ حتّى حين، لم يَبقَ له إلّا أن يَتَمَنّى كرّةً لا تَأتي، ويَحمِلَ حَسَراتٍ لا تَخِفّ، ويَبقى مُتَّصِفاً باستِقرارٍ لا يَخرُجُ منه.


حَصيلة

الآيةُ تُكمِلُ المَشهَدَ بِصَوتِ التابِعينَ الذين آثَروا الوَلاءَ البَشَريَّ على المَصدَر: لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾. الكَرَّةُ (ك-ر-ر) عَودَةٌ للإعادَةِ، والتَّمَنّي في الآخِرَةِ ليسَ خِياراً. والنُّكتَةُ في التَّشبيهِ بالكافِ: لَو أُعيدوا لَما تَبَرَّأوا عَن إدراكٍ بل تَقليداً لِخَصمِهم، ولَذا فَضَحَت الصِّياغَةُ هذه البَراءَةَ المُرتَجاةَ بأنَّها غَضَبٌ لا إدراك. ثمَّ جاءَ الانتِقالُ: كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾. والمُذهِلُ أنَّ اللهَ يُريهِم أعمالَهُم في هَيئَةِ حَسَراتٍ: العَمَلُ ذاتُه انكَشَفَ وَجهُه وتَحوَّلَ حِمالاً ثَقيلاً (ح-س-ر: كَشفٌ وإعياء)، والحَسَراتُ جَمعُ تَكثيرٍ بالتاء فهي مَوجاتٌ مُتلاحِقَةٌ لا ندَمَةٌ واحِدَة. والخَتمُ حُكمٌ مُؤَكَّدٌ بثَلاثِ أدواتٍ: «ما» النافِيَةُ + الباء الزائِدَةُ للتَّوكيدِ + اسمُ الفاعِلِ «خارِجين» الذي يَنفي الصِّفَةَ لا الفِعلَ فقَط. مَن أخَّرَ التَّبَرُّؤَ من الأندادِ حتّى ما بَعدَ الفَوات لَم يَبقَ له إلّا تَمَنٍّ لا يُجاب، وأعمالٌ تَظهَرُ حَسَرات، وبابٌ مَوصود.