البقرة · الآية 227

﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

مَوقِعُ الآية: بَدَلٌ عَن الفَيء

تَأتي الآيةُ الكَريمةُ بَدَلًا مَنطِقيًّا عَن فَإِن فاؤوا: في (226) يُعطى الرَّجُلُ مُهلةَ أربَعةِ أَشهُر، فَإن عادَ فَهوَ الخِيارُ الأوَّل، وَإن لَم يَعُدْ فَالنَّصُّ هُنا يَمنَعُه مِن الاستِمرارِ في تَعليقِ المَرأة، ويوجِبُ عَلَيه أن يَعزِم: إمّا رُجوعٌ، وَإمّا طَلاقٌ صَريحٌ ذو أحكام.

جَذرُ (ع ز م): القَرارُ بَعدَ التَّدَبُّر

و«العَزمُ» (ع ز م) هوَ القَرارُ المَحسومُ بَعدَ مُداوَلةٍ وتَفكير، وليسَ الهَوى ولا النِّيّةَ العابِرة. وأوثِرَ «عَزَموا» على «طَلَّقوا» لِيُشيرَ النَّصُّ إلى ما قَبلَ الفِعل، أي إلى لَحظةِ تَكَوُّنِ الإرادة، كَأنَّ اللهَ يَقولُ: إنَّ قَرارَ الطَّلاقِ يَجِبُ أن يَمُرَّ بِمَرحَلةِ عَزمٍ واعِية، لا أن يُقالَ في ثَورةِ غَضَبٍ ويُعمَلَ بِه.

جَذرُ (ط ل ق): الإرسالُ بَعدَ التَّقييد

و«الطَّلاقُ» مِن (ط ل ق)، وأصلُه الإطلاقُ والإرسال، ضِدُّ التَّقييد، وهوَ في السِّياقِ الزَّوجيِّ فَكُّ العَقدِ وإطلاقُ المَرأةِ مِن عِصمةِ الزَّوج. والنَّصُّ القُرآنيُّ يَستَخدِمُ هذا الجَذرَ بِكَثرةٍ في الآياتِ التّالِيةِ (228 فَما بَعدَها)، لأنَّ مَشروعَ السّورةِ في هذا المَقطَعِ ضَبطُ الانفِصال، إلى جانِبِ ضَبطِ الزَّواج.

جَذرُ (س م ع) و(ع ل م): الخِتامُ الحارِس

وممّا يُؤكَّدُ اختيارُ الاسمَينِ سَمِيعٌ عَلِيمٌ بَدَلًا مِنَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ الَّذي خُتِمَت بِه الآيةُ السّابِقة، فالمَقامُ هُنا مَقامُ تَحذيرٍ مِنَ الظُّلمِ بَعدَ فَشَلِ العَودة، لا مَقامُ تَشجيعٍ عَلَيها. والسَّميعُ يَسمَعُ كَلِمةَ الطَّلاقِ صَريحةً كَما يَسمَعُ التَّلاعُبَ بِها، والعَليمُ يَعلَمُ ما في القَلبِ مِن مَقاصِد: أهوَ طَلاقٌ حَقيقيٌّ أم حيلةٌ لِإرجاعِ المَرأةِ ثُمَّ هِجرانِها ثانِيةً.

حِمايةُ المَرأةِ: مِن تَعليقٍ بِلا نِهايةٍ إلى قَرارٍ مَحسومٍ

والآيةُ مَعَ سابِقَتِها تُشَكِّلانِ حِمايةً بُنيَويّةً لِلمَرأة، فالتَّعليقُ بِلا أُفُقٍ بابٌ يُغلِقُه النَّصُّ، إذ يَحصُرُ الخِيارَ في واحِدٍ مِن طَريقَين: إمّا فَيءٌ ورَحمة، وإمّا طَلاقٌ واضِحٌ ذو عِدّةٍ وحُقوق، فالمَرأةُ لا تَبقى مُعَلَّقة.

سَلامةُ البِنيةِ: لا مَهرَبَ إلى «سَتر» ثانيَة

ولَم يُختَمْ هُنا بِـغَفُورٌ لِأنَّ مَن يَعزِمُ الطَّلاقَ يَفتَحُ عَلَيه القُرآنُ مِلَفَّ المَسؤوليّة، ولا يَستُرُ لَه قَرارَه، والسَّميعُ العَليمُ يَنقُلُ القَضيّةَ إلى مَيدانِ الحِساب: أكانَ عَزمُ صاحِبِه عَن تَدَبُّرٍ وعَدل، أم عَن بَغيٍ واستِعجال؟

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«العَزم» قَرارٌ مُدَبَّرٌ لا انفِعال، و«الطَّلاق» إطلاقٌ بَعدَ تَقييدٍ يَجِبُ أن يُنطَقَ، لا أن تُترَكَ المَرأةُ فيه مُعَلَّقة، و«السَّميعُ العَليم» خِتامٌ يَحرُسُ القَرارَ مِن التَّلاعُب، فلا يَكونُ الطَّلاقُ بابًا لِعَودِ الظُّلم.


حَصيلة

الآيةُ حِمايةٌ مُكَمِّلةٌ لِلآيةِ 226: إن كانَ الفَيءُ هوَ الخِيارَ الأوَّل، فالطَّلاقُ هوَ الخِيارُ الثّاني الإلزاميُّ الَّذي لا ثالِثَ لَه، فلا يَبقى بابُ التَّعليقِ مَفتوحاً. وجِذرُ ع-ز-م في «عَزَموا» القَرارُ المَحسومُ بَعدَ مُداوَلةٍ وتَدَبُّر، لا الغَضبةُ العابِرة، وقد اختارَه النَّصُّ دونَ «طَلَّقوا» لِيُشيرَ إلى ما قَبلَ الفِعل، وهوَ لَحظةُ تَكَوُّنِ الإرادةِ الواعِيةِ الَّتي تَتَحَمَّلُ مَسؤوليّةَ ما بَعدَها. وجِذرُ ط-ل-ق في «الطَّلاق» الإطلاقُ والإرسالُ ضِدَّ التَّقييد، أي فَكُّ عَقدٍ وإطلاقُ المَرأةِ مِن العِصمة، والنَّصُّ يَستَخدِمُه هُنا حَصراً لِلخِيارَين، لا تَشريعاً لَه: فَيءٌ أو طَلاق، دونَ تَعليقٍ مُستَمِرّ. وتَختِمُ الآيةُ بِاسمَينِ مُختَلِفَينِ عَن خِتامِ 226: فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، وليسَ «غَفُورٌ رَّحِيمٌ»، لأنَّ مَقامَ التَّشجيعِ على الرُّجوعِ قَد انتَهى، ومَقامَ الحِسابِ قَد بَدَأ. وجِذرُ س-م-ع يَلحَقُ اللَّفظ، وجِذرُ ع-ل-م يَلحَقُ الدّافِعَ خَلفَه: أهوَ عَزمٌ عَن عَدلٍ وتَدَبُّر، أم حيلةٌ لِإعادةِ التَّعليقِ مِن بابٍ آخَر؟ فالمَرأةُ لا تَبقى مُعَلَّقةً بَعدَ الأشهُرِ الأربعةِ بِحالٍ مِن الأحوال.