البقرة · الآية 226

﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

تَمهيدٌ بَعدَ آيةِ اللَّغو: مِنَ الحَلِفِ العامّ إلى يَمينٍ زَوجيَّةٍ مُحَدَّدة

انتَقَلَ الكَلامُ هُنا مِنَ الحَديثِ العامِّ عَنِ الأَيمانِ في الآيَتَينِ قَبلَ هاتَينِ (224، 225) إلى يَمينٍ مُعَيَّنةٍ جِدًّا، يَقَعُ أَثَرُها المُدَمِّرُ على المَرأة، وهيَ يَمينُ الامتِناعِ عَنِ المُعاشَرةِ الزَّوجيَّة. والتَّرتيبُ القُرآنيُّ في ذلك مَقصود: الآيةُ (224) تَمنَعُ اتِّخاذَ اللهِ حاجِزًا أمامَ البِرّ، و(225) تُريحُ القَلبَ مِنَ اللَّغو، ثُمَّ تَأتي (226) لِتُنَزِّلَ هذا المَبدَأَ على أخطَرِ ساحةٍ يَقَعُ فيها الحَلِفُ المُدَمِّر، وهيَ العَلاقةُ الزَّوجيَّة.

جَذرُ (أ ل و): ماهيَّةُ «الإيلاء»

و«الإيلاءُ» مِنَ الجَذرِ (أ ل و) بِمَعنى التَّقصيرِ والامتِناع، وهوَ مُضَمَّنٌ مَعنى الحَلِف، فـ«آلى على كَذا» أي حَلَفَ أن يَمتَنِعَ عَنه. والصّيغةُ «يُؤلُونَ» مُضارِعٌ يَدُلُّ على استِمرارِ الحال، ولا يَنحَصِرُ في لَحظةِ الحَلِف. وهذه اليَمينُ تُعاقِبُ الزَّوجةَ مِن غَيرِ طَلاقِها: تَترُكُها مُعَلَّقةً لا هيَ ذاتُ زَوجٍ ولا هيَ مُطَلَّقة.

جَذرُ (ن س و) و«مِن نِّسَائِهِمْ»: اليَمينُ لا تُسقِطُ صِفةَ الزَّوجيَّة

وممّا يُؤَكِّدُ دِقّةَ التَّعبيرِ قَولُه: مِن نِّسَائِهِمْ، أي زَوجاتِهم، وقد عُدِلَ عَن «مِن نِساءٍ» نَكِرةً إلى الإضافة، فثَبَتَ أنَّها بَعدَ الحَلِفِ ما زالَت في عِصمَتِه، وأنَّ الإيلاءَ لَم يَفسَخِ العَقد. وهذا يَمنَعُ الزَّوجَ مِنَ التَّلاعُب: لا يَستَطيعُ أن يَحلِفَ يَمينَ امتِناعٍ ثُمَّ يَدَّعيَ أنَّ المَرأةَ غَيرُ زَوجةٍ لِيُفلِتَ مِن حُقوقِها.

جَذرُ (ر ب ص) وَ(ش ه ر): تَرَبُّصٌ بِسَقفٍ زَمَنيٍّ لا تَعليقٌ مَفتوح

و«التَّرَبُّصُ» (ر ب ص) هوَ الانتِظارُ المَقصودُ المُتَرَقِّب، لا السُّكون، وقد حَدَّدَ النَّصُّ مُدَّتَه: أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. فالسَّقفُ الزَّمَنيُّ هوَ قَلبُ الآية: يُحَرِّمُ القُرآنُ بَقاءَ المَرأةِ مُعَلَّقةً بِلا أُفُق، وأربَعةُ أشهُرٍ مُهلةٌ كافيةٌ لِيُراجِعَ الرَّجُلُ نَفسَه، ولا تَطولُ بِحَيثُ تُدَمِّرُ المَرأةَ نَفسيًّا واجتِماعيًّا.

جَذرُ (ف ي أ): «الفَيء» رُجوعٌ ظِلِّيٌّ لا تَراجُعٌ مُهين

وممّا يُطالُ عِندَه النَّظَرُ هُنا كَلِمةُ فَاءُوا، وجَذرُها (ف ي أ)، وأصلُه الظِّلُّ بَعدَ الزَّوال، أي الظِّلُّ الَّذي يَعودُ إلى جِهةٍ كانَ غادَرَها. وأوثِرَت هذه الكَلِمةُ على «رَجَعوا» لِدِقَّتِها، فالرَّجُلُ حينَ يَعودُ عَن يَمينِه يَعودُ إلى أصلِه الَّذي كانَ عَلَيه قَبلَ الحَلِف، كَما يَعودُ الظِّلُّ إلى مَوضِعِه. فالفَيءُ رُجوعٌ طَبيعيٌّ لا إذلال، لأنَّ الأصلَ هوَ العِشرةُ بِالمَعروف، والحَلِفُ طارِئ.

جَذرُ (غ ف ر) وَ(ر ح م): خِتامٌ يَستُرُ ويَرحَم

وخُتِمَتِ الآيةُ بِـ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، دونَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وشَدِيدُ الْعِقَابِ، والسَّبَبُ في ذلك أنَّ الرَّجُلَ الَّذي آلى ثُمَّ فاءَ يَحمِلُ نَدَمًا وخَجَلًا، والنَّصُّ يَستَقبِلُه بِالغَفورِ (السّاتِر) والرَّحيمِ (المُحسِنويُفتَحُ بابُ الرُّجوعِ على رَحمةٍ لا على وَعيد، كَي يَتَشَجَّعَ الرَّجُلُ على الفَيءِ ولا يَتَمادى في يَمينِه كِبرًا.

تَمييزٌ بَينَ الإيلاءِ والهِجرانِ المَشروع

ويُفَرَّقُ بَينَ هذا المَشهَدِ وبَينَ الهِجرانِ التَّأديبيِّ المَذكورِ في آيةٍ أُخرى (النِّساء 34): الهِجرانُ المَشروعُ في المَضجَعِ وَقتيٌّ ومَفتوحٌ على المُصالَحة، أمّا الإيلاءُ فيَمينٌ قاطِعةٌ تُغلِقُ الأُفُقَ بِلا مَوعِد. والآيةُ تُحاصِرُ الإيلاءَ وتَضَعُ لَه حَدًّا، ولا تَشرَعُه.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«الإيلاء» اسمٌ لِيَمينٍ مُدَمِّرةٍ أُنزِلَ عَلَيها سَقفُ أَربَعةِ أَشهُر، وليسَ تَشريعَ عُقوبةٍ زَوجيَّة، و«التَّرَبُّص» زَمَنٌ مَحدودٌ يَمنَعُ التَّعليق، و«الفَيء» رُجوعٌ ظِلِّيٌّ إلى الأصلِ لا إذلالٌ لِلرَّجُل، و«الغَفورُ الرَّحيم» خِتامٌ يَستُرُ النَّدَمَ ويُشَجِّعُ على العَودة.


حَصيلة

تَنتَقِلُ الآيةُ مِنَ الحَلِفِ العامِّ في 224-225 إلى يَمينٍ مَخصوصةٍ أشَدَّ فَتكاً بِالمَرأة، وهيَ يَمينُ الإيلاء. وجِذرُ أ-ل-و في «يُؤلون» الامتِناعُ المُستَمِرُّ المُضَمَّنُ مَعنى الحَلِف، وبِيَمينٍ مَفتوحةٍ تَتَوَقَّفُ المُعاشَرةُ فتَبقى المَرأةُ مُعَلَّقةً لا زَوجةً ولا مُطَلَّقة. والتَّعبيرُ مِن نِّسَائِهِمْ﴾ يَحسِمُ أنَّها ما زالَت في عِصمَتِه، وأنَّ اليَمينَ لَم تَفسَخِ العَقد. وجِذرُ ر-ب-ص في «تَرَبُّص» انتِظارٌ مَقصودٌ مُتَرَقِّبٌ لا سُكون، وقَد حَدَّدَه النَّصُّ بِأربعةِ أشهُرٍ سَقفاً زَمَنيّاً يَمنَعُ التَّعليقَ المَفتوحَ ويُلزِمُ بِالقَرار. فإن رَجَعَ جاءَ الفِعلُ مِن جِذرِ ف-ي-أ في «فاءوا»، وهوَ الظِّلُّ الَّذي يَعودُ إلى مَوضِعِه بَعدَ الزَّوال، أي رُجوعٌ إلى الأصلِ الَّذي كانَ عَلَيه قَبلَ الحَلِفِ مِن غَيرِ إذلال، لأنَّ الأصلَ هوَ العِشرةُ بِالمَعروفِ واليَمينُ طارِئ. وتَختِمُ بِخِتامِ الرَّحمةِ لا الوَعيد: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، لِأنَّ الرَّجُلَ العائِدَ يَحمِلُ نَدَماً، والبابُ يَنبَغي أن يُفتَحَ بِالرَّحمةِ دونَ الوَعيدِ كَيلا يَتَمادى في يَمينِه كِبراً.