البقرة · الآية 228

﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

تَمهيد: بَعدَ العَزمِ على الطَّلاق

هذه الآيةُ أوَّلُ تَفصيلٍ بُنيَويٍّ بَعدَ قَرارِ الطَّلاقِ في الآيةِ السّابِقة، والطَّلاقُ قَد وَقَع، والآنَ يَبدَأُ المَشروعُ التَّشريعيُّ لِضَبطِه بِحَيثُ لا يَنقَلِبُ إلى ظُلم. والآيةُ تُعطي سِتّةَ مَحاور: التَّرَبُّصَ، والقُروءَ، وكَتمَ الرَّحِم، وحَقَّ البُعولة، والتَّكافُؤَ في المِيزان، والدَّرَجة.

جَذرُ (ر ب ص) وَصيغةُ «يَتَرَبَّصنَ بِأَنفُسِهِنَّ»: فاعِليَّةُ المَرأةِ على جَسَدِها

وفي التَّعبيرِ دِقّةٌ لَفظيّةٌ نادِرة: أوثِرَ «يَتَرَبَّصنَ» على «يَنتَظِرنَ»، وبِأَنفُسِهِنَّ على «يُحبَسنَ». وباءُ المُصاحَبةِ هُنا تُعيدُ الفاعِليّةَ إلى المَرأة: هيَ الَّتي تَرقُبُ جَسَدَها، وتَعرِفُ حَيضَها وطُهرَها ورَحِمَها، ولَيسَ أحَدٌ آخَرُ مَوكولًا إلَيه هذا الرَّصد. وهذا يَبني صَمتًا مَعرِفيًّا على المَرأة: مَعرِفَتُها بِجَسَدِها أصلٌ في النَّسَقِ التَّشريعيّ، لا يُنتَزَعُ مِنها.

جَذرُ (ق ر أ): القُرء دَورةٌ جَسَديَّةٌ لا مَجازٌ شَرعيّ

و«القُرءُ» (ق ر أ) هوَ الوَقتُ الَّذي يُقرَأُ فيه، أي يَجتَمِعُ ثُمَّ يَنصَرِف، والقِراءةُ في الفَمِ اجتِماعُ الحُروف، وهوَ في الرَّحِمِ اجتِماعُ الدَّمِ ثُمَّ انصِرافُه. فالقُرءُ يَشمَلُ الحَيضَ والطُّهرَ مَعًا، لأنَّ كِلَيهِما دَورةٌ كامِلة. ولِلعَدَدِ ثَلَاثَةِ وَظيفةٌ بُرهانيّة: لا تَكتَفي المَرأةُ بِدَورةٍ واحِدة، لأنَّ الدَّورةَ الواحِدةَ قَد تُضَلِّل، وثَلاثُ دَوراتٍ مُتَتالِيةٍ تَكشِفُ بِوُضوحٍ هَل هُناكَ حَمل. وبِذلك يَضَعُ القُرآنُ مُدّةَ الانتِظارِ على أساسٍ جَسَديٍّ مَوضوعيٍّ لا رَمزيّ.

جَذرُ (ك ت م) و(خ ل ق) و«ما في الأرحامِ»: خيانةُ النَّسَبِ جريمةٌ على البِنية

وتَحريمُ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ حِمايةٌ لِبِنيةِ النَّسَبِ كُلِّها، زيادةً على أنّه نَصٌّ أخلاقيٌّ عامّ. فلَو كَتَمَتِ المَرأةُ حَملَها لِتَنقَضيَ العِدّةُ فتَتَزَوَّجَ آخَرَ لَاختَلَطَتِ الأنسابُ وانهارَت شَبَكةُ المَسؤوليّة: مَن أبو الطِّفل، ومَن يُنفِق، ومَن يَرِث. ولِذلك وَضَعَ النَّصُّ الشَّرطَ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لِيُذَكِّرَ أنَّ هذا الكَتمَ خيانةٌ لِلحَقيقةِ الَّتي ائتَمَنَها اللهُ في جَسَدِها، والرَّحِمُ أمانة، والإفصاحُ واجِبٌ بُنيَويّ.

جَذرُ (ب ع ل) وَ«أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ»: حَقٌّ مَشروطٌ بِالإصلاح

واختيرَت كَلِمةُ «بُعولَتُهُنَّ» دونَ «أزواجُهُنَّ»، والجَذرُ (ب ع ل) يَحمِلُ مَعنى القِيامِ على الأمرِ والكَفالةِ الكامِلة: البَعلُ هوَ القائِمُ على البَيتِ بِكُلِّ أعبائِه. وأَحَقُّ أفعَلُ تَفضيلٍ مَعناه أَولى مِن غَيرِه، لا أنَّه صاحِبُ حَقٍّ مُطلَق. والشَّرطُ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا حاسِم، فإن كانَ المَقصودُ المُضارّةَ، وإعادةَ الزَّوجةِ لِيُطَلِّقَها مَرّةً أُخرى ويُطيلَ تَعذيبَها، فلا حَقَّ لَه في الرَّدّ، و«الإصلاحُ» مِعيارٌ أخلاقيٌّ يَحكُمُ شَرعيّةَ الرَّجعة.

جَذرُ (م ث ل) وَ(ع ر ف): التَّكافُؤُ في المِيزانِ وَ«المَعروف» كَمِعيارٍ اجتِماعيّ

وعِبارةُ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ مِن أقوى آياتِ العَدلِ في النَّصِّ القُرآنيّ، و«مِثل» تُقيمُ تَكافُؤًا في المِيزان: كُلُّ حَقٍّ على المَرأةِ لَها مِثلُه، وكُلُّ واجِبٍ عَلَيها لَها مُقابِلُه. والمِعيارُ هوَ بِالْمَعْرُوفِ، أي ما يُعرَفُ بَينَ النّاسِ بِوَصفِه عَدلًا، لا ما يَراه طَرَفٌ واحِد. فالنَّصُّ يَجعَلُ مِقياسَ الزَّواجِ «المَعروفَ» الَّذي يَعتَرِفُ بِه الضَّميرُ الاجتِماعيُّ السَّويّ، ويَأبى أن يَكونَ هَوى الزَّوجِ أو تَقاليدَ القَبيلة.

جَذرُ (د ر ج): «الدَّرَجة» وَظيفةُ مَسؤوليَّةٍ لا رُتبةُ امتياز

ويُطالُ الوُقوفُ عِندَ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، ومادّةُ (د ر ج) الصُّعودُ بِالتَّدَرُّج، كدَرَجةِ السُّلَّم. و«الدَّرَجةُ» هُنا غَيرُ داخِلةٍ في القِيمةِ الإنسانيّة، لأنَّ النَّصَّ قَبلَها قَرَّرَ التَّكافُؤَ صَراحةً مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ، وهيَ دَرَجةٌ وَظيفيّةٌ في تَحَمُّلِ الثِّقَل: النَّفَقةِ، والمَهرِ، والحِمايةِ الجَسَديّة، والمَسؤوليّةِ القانونيّةِ أمامَ المُجتَمَع. فالدَّرَجةُ عِبءٌ لا امتياز، والرَّجُلُ يَدفَعُ أكثَرَ لأنَّه يَحمِلُ ثِقَلًا أكثَر، ولا يَأخُذُ أكثَرَ لأنَّه أفضَل، وهذا فَرقٌ جَوهَريٌّ في القِراءة.

جَذرُ (ع ز ز) وَ(ح ك م): الخِتامُ المُوَجِّه

وجاءَ الخِتامُ بِـعَزِيزٌ حَكِيمٌ دونَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، لأنَّ المَقامَ مَقامُ تَشريعٍ مُحكَمٍ عَزيز: العِزّةُ تَفرِضُ أنَّ هذه البِنيةَ لا تَتَبَدَّلُ بِأهواءِ أحَد، والحِكمةُ تَضمَنُ أنَّ كُلَّ تَفصيلٍ (القُروءِ الثَّلاث، وشَرطِ الإصلاح، ومِعيارِ المَعروف، ووَظيفةِ الدَّرَجة) جاءَ لِحِكمةٍ مُتَناسِقة.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«التَّرَبُّصُ بِالنَّفس» فاعِليّةُ المَرأةِ على جَسَدِها، و«القُروء» دَوراتٌ جَسَديّةٌ تَكشِفُ الحَمل، و«كَتمُ الرَّحِم» خيانةٌ لِبِنيةِ النَّسَب، ولا يُحصَرُ في ذَنبٍ شَخصيّ، و«أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ» حَقٌّ مَشروطٌ بِإرادةِ الإصلاح، و«مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ» تَكافُؤٌ في مِيزانِ الحُقوقِ والواجِبات، و«الدَّرَجة» وَظيفةُ تَحَمُّلِ الثِّقَلِ لا رُتبةُ تَفضيل.


حَصيلة

الآيةُ أوَّلُ تَفصيلٍ بُنيَويٍّ بَعدَ قَرارِ الطَّلاق، وتَشتَمِلُ على سِتّةِ مَحاور. أوَّلُها: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ﴾، وجِذرُ ر-ب-ص انتِظارٌ مَقصودٌ مُتَرَقِّب، وقَيدُ «بِأَنفُسِهِنَّ» بِباءِ المُصاحَبةِ يُعيدُ الفاعِليّةَ إلى المَرأة: هيَ الَّتي تَرقُبُ جَسَدَها وتَعرِفُ دَوراتِها. ثانيها: القُروءُ الثَّلاثة، وأصلُ ق-ر-أ الاجتِماعُ ثُمَّ الانصِراف، فالقُرءُ يَشمَلُ الحَيضَ والطُّهرَ مَعاً، والعَدَدُ ثَلاثةٌ لِكَشفِ الحَملِ بِأساسٍ جَسَديٍّ لا رَمزيّ. ثالِثُها: جِذرُ ك-ت-م في لَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾، وهوَ حِمايةٌ لِبِنيةِ النَّسَبِ كُلِّها، إلى جانِبِ كَونِه نَهياً أخلاقيّاً، فالرَّحِمُ أمانةٌ والإفصاحُ واجِبٌ بُنيَويّ. رابِعُها: جِذرُ ب-ع-ل في «بُعولَتُهُنَّ»، ومَعناه حَملُ الكَفالةِ الكامِلةِ لا مَحضُ الزَّوج، و«أَحَقُّ» أَولى لا صاحِبُ حَقٍّ مُطلَق، مَشروطاً بِـإِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾، فمَن أرادَ المُضارّةَ فلا حَقَّ لَه. خامِسُها: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وهيَ مِن أقوى جُمَلِ التَّكافُؤِ في القُرآن، فالمِيزانُ مُتَعادِل. سادِسُها: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾، وجِذرُ د-ر-ج الصُّعودُ بِالتَّدَرُّجِ كدَرَجةِ السُّلَّم، وهيَ دَرَجةٌ وَظيفيّةٌ في تَحَمُّلِ الثِّقَل (النَّفَقةِ والمَهرِ والمَسؤوليّةِ القانونيّة)، لا رُتبةُ امتيازٍ في القِيمة. ويَختِمُ بِـوَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ لأنَّ المَقامَ مَقامُ تَشريعٍ مُحكَمٍ لا مَقامُ رَحمةِ عَودة.