البقرة · الآية 27
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ» (ن ق ض، و ث ق): حَلُّ ما أَبرَمَ صاحِبُه
جذرُ (ن ق ض) في اللُّغةِ = حَلُّ الحَبلِ بَعدَ إبرامِه، وفَكُّ النَّسيجِ بَعدَ نَسجِه. فالنَّقضُ ليسَ رَفضاً لِلعَقد قَبلَ إبرامِه، بَل فَكُّ ما قَد أُبرِمَ فِعلاً. ومن هُنا تَأتي قُوّةُ «مِن بَعدِ ميثاقِه»: المِيثاقُ من جذرِ (و ث ق) = شَدٌّ مُحكَمٌ مَضمون. فالعَهدُ لَم يَكُن مُجَرَّدَ قَولٍ عابِر، بَل رِباطاً مُحكَماً شُدَّ بِالوَثيقة. ولذلك نَقضُه فِعلٌ أشَدُّ من الرَّفضِ الأوَّلي: يُظهِرُ تَراجُعاً داخليّاً بَعدَ إمضاءٍ عَلَني.
«وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ» (ق ط ع، و ص ل): قَطعٌ يَسبِقُ الصِّلةَ المَأمور بها
الوَصلُ في جذرِه (و ص ل) = إقامةُ ارتِباطٍ فَعلي، لا مُجَرَّدُ لِقاء. والآيةُ لَم تُحَدِّد الصِّلاتِ المَطلوبة، فَتَرَكَتها عامّة: صِلةُ الرَّحِم، صِلةُ الكَلِمةِ بالفِعل، صِلةُ الإنسانِ بِمَصدَرِه، صِلةُ العِلمِ بالعَمَل، صِلةُ الوَعدِ بالوَفاء. كُلُّ ما أمَرَ اللهُ بأن يُوصَل. وجَمعُ «ما أمَرَ» تَحتَ جَناحٍ واحِد يَكشِفُ أنّ الإسلامَ في جَوهَرِه هَندسةُ صِلات. قَطعُها مَعناه خَلخَلةُ البُنيةِ التي قامَ عَليها العَهد.
«وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ» (ف س د): خَرابُ ما كانَ مُنتَظِماً
جذرُ (ف س د) = خُروجُ الشَّيءِ عن استِقامتِه الوَظيفيّة. ومنه «فَسَدَ الطَّعامُ» = لَم يَعُد صالِحاً للاستِعمال. والإفسادُ في الأرضِ ليسَ مُجَرَّدَ مَعصيةٍ فَرديّة، بَل تَعطيلُ بُنيةٍ اشتَغَلَت. كلُّ نِظامٍ يَعمَلُ بانسِجامٍ بَينَ الناس وبَينَ البيئة يَحمِلُ فيه احتِمالَ الانهِيارِ إذا دَخَلَتِ العَناصِرُ المُفسِدة. والفاسِقُ الذي خَرَجَ من موقِعِه (الآيةُ السَّابِقة)، ثُمَّ نَقَضَ عَهدَه، ثُمَّ قَطَعَ صِلاتِه، ينتَهي إلى تَعميمِ فَسادِه على البِنيةِ العامَّة. والآيةُ تَرسُمُ سَيراً من الداخِل إلى الخارج: الخَرابُ يَبدَأُ في الذّات، ويَصِلُ إلى الأرض.
«أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ» (خ س ر): حِسابٌ خَرَجَ بِرَصيدٍ ناقِص
الخُسرانُ في جذرِه (خ س ر) = خُروجٌ من حِسابٍ بِرَصيدٍ أقَلّ مِمّا دَخَلَت به. ومنه «خَسِرَ المَرءُ» في التِّجارة = خَرَجَ بِرَصيدٍ أقَلّ من رَأسِ مالِه. والآيةُ تَستَعيرُ هذا المَنطِقَ الحِسابيّ: الإنسانُ دَخَلَ الحَياةَ بِعَهدٍ ومِيثاقٍ، فَإذا نَقَضَه وقَطَعَ صِلاتِه وأفسَدَ ما حوله، خَرَجَ من الحِسابِ الأخيرِ بِأقَلَّ مِمّا أُودِعَ فيه. ولَيسَ الخُسرانُ هُنا عُقوبةً من خارج، بَل نَتيجةٌ رِياضيّةٌ لِما فَعَلَه صاحِبُه بِنَفسِه. فالكَلِمةُ تَسبِقُ المَصطلَح: الخَسارةُ اسمُ حالٍ حِسابيّة، لا اسمُ عَذابٍ مُسَلَّط.
حَصيلة
الآيةُ تَفسيرٌ عَمَليٌّ لِلفاسِقينَ الذين ذَكَرَتهُم الآيةُ السَّابِقة: خُروجٌ من القِشرة مُتَصاعِدٌ في ثَلاثِ حَلَقات. الأُولى داخِليَّة: النَّقضُ (ن-ق-ض: حَلُّ الحَبلِ بعدَ إبرامِه) لِعَهدٍ كانَ مَشدوداً بِالمِيثاقِ (و-ث-ق: شَدٌّ مُحكَمٌ مَضمون)؛ فليسَ رَفضاً قَبلَ الإمضاء بل تَراجُعاً بعدَ أن عُقِدَ الرِّباط، وهذا أشَدُّ. الثانيةُ أُفُقيَّة: قَطعُ ما أُمِرَ أن يُوصَل (و-ص-ل: إقامةُ ارتِباطٍ فعليٍّ لا مُجرَّدُ لِقاء)؛ والآيةُ لم تُحَدِّد الصِّلاتِ بل تَرَكَتها عامَّة: صِلةُ الرَّحِم وصِلةُ الكَلِمةِ بالفِعلِ وصِلةُ العِلمِ بالعَمَل وصِلةُ الوَعدِ بالوَفاء؛ فقَطعُها خَلخَلةٌ للبِنيةِ كُلِّها. الثالثةُ خارِجيَّة: الإفسادُ في الأرضِ (ف-س-د: خُروجُ الشَّيءِ من وَظيفتِه) يُعَمِّمُ الخَللَ على البِنيةِ المُشتَرَكة. والخُسرانُ (خ-س-ر: خُروجٌ من الحِسابِ بِرَصيدٍ أقَلَّ مِمَّا دَخَلتَ به) حُكمٌ مَحسوبٌ لا انتِقامٌ مُستورَد: الإنسانُ دَخَلَ الحَياةَ بِعَهدٍ ومِيثاق، فإذا نَقَضَه وقَطَعَ صِلاتِه وأفسَدَ ما حَولَه خَرَجَ من الحِسابِ الأخيرِ بِأقَلَّ ممَّا أُودِعَ فيه.