البقرة · الآية 57

﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

«ظَلَّلنا» و«الغَمام»: طَبَقَةٌ تَلتَصِقُ فَوقَ المَكشوفِ تُغَطّيهِ بِرَحمَة

«ظَلَّلنا» من جذر (ظ ل ل) مُكَرَّرَ اللام، ومَعناه طَبَقَةٌ كَثيفَةٌ (ظ) تَتَعَلَّقُ وتَمتَدُّ فَوقَ المَوضِعِ (لل)، أَي إسدالُ حِجابٍ فَوقَ مَكشوفٍ لا يَنفَكُّ عَنه. و«الغَمام» من جذر (غ م م)، وهو باطِنٌ يَتَجَمَّعُ ويَلتَصِقُ (غم) ثُمَّ يُضاعِفُ التَّجَمُّع (م)، أَي غِطاءٌ رَطبٌ مُلتَصِقٌ يَنزِلُ من عِندِ الباطِنِ لا من فَوق، ومِن الجَذرِ نَفسِه «الغَمّ»، وهو تَغطيَةٌ تَلتَصِقُ بِالنَّفسِ فَتَكتُمُها. فالمَكانُ المَكشوفُ لا سَقفَ فيه يَبنيه الإنسان، فَكانَت الرَّحمَةُ أَن يَنزِلَ سَقفٌ حَيٌّ يَلتَصِقُ بِالمَوضِعِ ويَمتَدُّ مَعَه. وبِنيَةُ التَّظليلِ عَقدُ سَقفٍ مَوقوتٍ في مَكانٍ لا يَحتَمِلُ بِناءً مُستَقِرّاً، ولا تَقِفُ عِندَ تَخفيفِ الشَّمس.

«المَنّ» و«السَّلوى»: جَذرانِ يَصِفانِ عَطاءَ البَدَنِ والنَّفسِ مَعاً

و«المَنّ» من جذر (م ن ن)، وهو عَطاءٌ يَنفُذُ إلى العُمق (من) ويُضاعِفُ نَفاذَه (نن)، أَي ما يُعطى بِلا مُقابِلِ عَمَلٍ من الآخِذ ويَصِلُ إلى حَيثُ لا تَصِلُ يَدُه. و«السَّلوى» من جذر (س ل و)، وهي ما يُذهِبُ عَن النَّفسِ ما يُشغِلُها، فيُسَلّيها قَبلَ أَن يُشبِعَ بَطنَها. وعُدِلَ عن ذِكرِ «الطَّعام» وَحدَه إلى قَرنِ جَذرِ العَطاءِ النّافِذِ (م ن ن) بِجَذرِ تَسليَةِ النَّفسِ (س ل و)، فَكَأنَّ التَّنزيلَ جاءَ عَلى وَجهَين مَعاً: مادَّةٌ تَسُدُّ حاجَةَ البَدَن، وصُحبَةٌ تُخَفِّفُ عَن النَّفسِ ثِقلَ العَراءِ في مَكانٍ مَكشوف. وهذا تَفريقٌ بُنيَويٌّ، لا تَفصيلٌ في أَصنافِ الطَّعام.

«طَيِّبات» و«رَزَقناكُم»: الأَمرُ بِالصّافي من الخَبَث، لا بِمُجَرَّدِ الأَكل

و«طَيِّب» من جذر (ط ي ب)، ومَعناه الصّافي الذي لا خَبَثَ فيه ولا أَذى، ويَشمَلُ طَعامَ البَدَنِ وطَعامَ النَّفسِ مَعاً. وأوثِرَ «كُلوا من طَيِّباتِ ما رَزَقناكُم» على «كُلوا مِمّا رَزَقناكُم»، فَالأَمرُ مُقَيَّدٌ بِالصّافي، لا بِمُطلَقِ ما وَصَلَ إلى اليَد. و«رَزَق» من جذر (ر ز ق)، وهو إمدادٌ مُتَواصِلٌ يَصِلُ إلى المُحتاجِ عَبرَ قَناةٍ مَفتوحَة، فَالرِّزقُ مَجرىً يَمُرُّ بِصاحِبِه إلى غَيرِه، وليسَ كَومَةً يَحفَظُها لِنَفسِه. وحينَ يُقَيَّدُ المَجرى بِـ«الطَّيِّب» يَصيرُ الأَكلُ فِعلَ تَصفيَةٍ زائِداً على القَبض، يَأخُذُ بِه الآكِلُ الصّافي ويَدَعُ الخَبَثَ لِمَن يَحمِلُه.

«ما ظَلَمونا»: الجذر (ظ ل م) = وَضعُ الشَّيءِ خارِجَ مَوضِعِه

و«ظَلَم» من جذر (ظ ل م)، ومادَّتُه وَضعُ الشَّيءِ في غَيرِ مَوضِعِه، أي طَبَقَةٌ كَثيفَةٌ (ظل) تَتَجَمَّعُ خارِجَ مَحَلِّها (م). فَقَولُ الحَقِّ وَمَا ظَلَمُونَا﴾ يَتَكَلَّمُ عَن ذاتِه بِبِنيَةِ المَوضِع، واللهُ في مَوضِعِهِ لا يُزاحُ عَنه، فَلا يَلحَقُه من فِعلِ أَحَدٍ اختِلالٌ في مَكانِهِ. ثُمَّ يَقلِبُ المَشهَدَ إلى مَوضِعِهِم: وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بِصيغَةِ الاستِمرار، أي كانوا يَستَمِرّونَ في إخراجِ أَنفُسِهِم عَن مَواضِعِها الصَّحيحَة، فما كانَ ظُلمُهُم إلّا إخراجاً لِلنَّفسِ عَن مَوضِعِ المُتَلَقّي الشّاكِرِ إلى مَوضِعِ الكاتِمِ الطّالِبِ بَديلاً.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«التَّظليل» سَقفٌ يَنزِلُ في مَكانٍ لا يُبنى فيه، وليسَ تَشريفاً مُعلَناً، و«المَنُّ والسَّلوى» بِنيَتانِ لِعَطاءٍ يَصِلُ إلى البَدَنِ والنَّفسِ مَعاً، وليسا صِنفَي طَعام، و«الظُّلمُ» اختِلالُ مَوضِعٍ يُصيبُ النَّفسَ نَفسَها، وليسَ جُرماً خارِجيّاً يُصيبُ اللهَ. فَالدَّورُ المَطلوبُ مِنَ المَرزوقِ حَيثُ هو أَن يَبقى في مَوضِعِه تَحتَ السَّقفِ الذي أُنزِلَ عَلَيه، لا أن يَخرُجَ بِنَفسِه إلى مَوضِعٍ لا سَقفَ فيه.


حَصيلة

الغَمامُ والمَنُّ والسَّلوى ثَلاثُ نِعَمٍ مُتَكامِلَة: حِمايَةُ الجَسَدِ من الشَّمسِ، وتَغذِيَةٌ لا تَكليفَ فيها، وتَسليَةٌ تُذهِبُ الهَمَّ. و(ظ-ل-ل) جَعلُ الشَّيءِ تَحتَ ظِلٍّ يَحمِيه، والمَنُّ من (م-ن-ن) عَطاءٌ يَنزِلُ دونَ عَمَل، أي الرِّزقُ الذي يُخرِجُ الإنسانَ من تَعَبِ الاكتِساب، والسَّلوى من (س-ل-و) ما يُذهِبُ الهَمَّ ويُروِّحُ. ثُمَّ جاءَ الأَمرُ: «كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقناكُم»، كَأَنَّه صَريحٌ في أنَّ المَطلوبَ مَقبولٌ لا مُحَرَّم. وفي خِتامِ الآيَةِ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أنَّ المِيزانَ لا يَنكَسِرُ من طَرَفِه، فَمَن خَرَجَ عَن مَوضِعِه أَلحَقَ الأَذى بِنَفسِه التي وَضَعَها في غَيرِ مَوضِعِها، ولَم يُلحِقْه بِالأَصل. والنِّعمَةُ المُعطاةُ دونَ عَمَلٍ اختِبارٌ من نَوعٍ خاصّ: هَل يُؤَدِّبُها أَصحابُها بِحَدِّها أم يَتَجاوَزونَه فيَظلِمون أَنفُسَهُم.