آل عمران · الآية 176

﴿وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ۗ يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ۗ يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

«وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ»: النهيُ يَمنعُ أثرَهم في المخاطَب

تَعطِفُ الواوُ نهياً، والفعلُ المتعدّي يَجعلُ كافَ المخاطَبِ المفردِ مفعولاً، والموصولَ فاعلاً: لا يُحزنك الذين. صلتُهم «يسارعون في الكفر» تَعرِفُهم بفعلٍ متجدّد. المسارعةُ من س-ر-ع حصرٌ يَجري نافذاً ثمّ يَظهرُ من العُمق، وصيغةُ المفاعلةِ تَحملُ مبادرةً متتابعة. حرفُ «في» يُدخِلُ حركتَهم في الكفر، فيَصيرُ اندفاعُهم المتكرّرُ هو المشهدَ الذي يُنزَعُ عنه سلطانُ الإحزان.

«إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا»: مُسارَعتُهم لا تَبلُغُ اللهَ بضَرَر

تأتي «إنّ» بضميرِهم اسمَها، ثمّ تَنصبُ «لن» المضارعَ وتَنفي وقوعَه مستقبلاً. الضررُ من ض-ر-ر ضمٌّ ثقيلٌ يَجري ثمّ يُكثِّفُ تكرارُ الراءِ نفاذَ الأثر، لكنّ النفيَ يَمنعُ وصولَه إلى الله. «شيئاً» نكرةٌ في سياقِ النفيِ فتَستغرقُ أدنى شيءٍ من الضرر. والحدُّ الملفوظُ في الجملةِ هو جهةُ الضرر: مفعولُ «يضرّوا» اسمُ اللهِ وحدَه، فالنفيُ واقعٌ على بلوغِ الأثرِ إليه، والجملةُ التاليةُ هي التي تَذكرُ ما يَرجعُ عليهم.

«يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ»: الإرادةُ تتعلّقُ بنفيِ النصيب

يَستأنفُ المضارعُ «يريد» واسمُ الله فاعلُه، ومفعولُه مصدرٌ مؤوّلٌ من «ألّا يجعل». النفيُ داخلٌ في متعلَّقِ الإرادة، واللامُ تَجعلُهم جهةَ الجعلِ المنفي. الحظُّ من ح-ظ-ظ احتواءٌ يَدخُلُ حَجباً غاشياً ثمّ يُكثِّفُ تكرارُ الظاءِ تحديدَ النصيب. جاء نكرةً في سياقِ النفي، والظرفُ «في الآخرة» يَحصرُ مجالَه. فتَجتمعُ الإرادةُ والنفيُ والظرفُ على حرمانٍ شاملٍ من النصيبِ في ذلك المجال.

«وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ»: بَعدَ نَفيِ الحَظِّ يَبقى العَذاب

تَعطفُ الواوُ جملةً اسميّةً يتقدّمُ فيها «لهم» على المبتدأِ النكرةِ «عذاب». المقابلةُ واضحة: انتفاءُ الحظِّ لهم في الآخرةِ يقابله اختصاصُهم بعذاب. وصفُه «عظيم» من ع-ظ-م ظهورٌ من العُمقِ يَدخُلُ حَجباً كثيفاً ثمّ يَضمُّ ويتلاصق، فيَحمِلُ كثافةً ظاهرة. العِظمُ يَملأُ جهةَ الوصف، ويَجعلُ المآلَ المقابلَ للحظِّ ثقيلاً واسعاً.


حَصيلة

يَمنعُ النهيُ أن يُحزنَ المخاطَبَ الذين يُسارعونَ في الكفر، ويُعلِّلُ ذلك بتوكيدٍ قاطع: لن يَضرّوا الله شيئاً. ويَبقى النفيُ متعلّقاً بجهةٍ واحدةٍ صرّحَ بها المفعول: اسمُ اللهِ نفسُه. ثمّ تَظهرُ إرادةُ الله في ألّا يَجعلَ لهم حظّاً في الآخرة، ويأتي المقابلُ مثبتاً: لهم عذابٌ عظيم. ويَربطُ تكرارُ «لهم» النفيَ والإثباتَ بأصحابِ المسارعةِ أنفسِهم: الحظُّ منفيٌّ في الآخرة، والعذابُ مثبتٌ لهم، فتَبقى اللامُ في الموضعَينِ رابطةً المآلَ بأصحابِ المسارعةِ أنفسِهم. وتُبقي النكرتانِ الحظَّ والعذابَ على سِعَتِهما، بينما يُبقي الفعلُ المتجدّدُ مسؤوليةَ الذين عرّفَهم النصُّ بالمسارعةِ في الكفر.