آل عمران · الآية 200

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»: النداءُ يَجمعُ المخاطَبينَ بصلتِهم

تَفتحُ «يا» نداءً بعيدَ المدى، وتأتي «أيّ» وصلةُ التنبيهِ لتَحملَ الموصولَ المعرَّفَ بصلتِه: الذين آمنوا. والفعلُ الماضي الجمعيُّ حدُّ المخاطَبينَ في الآية، فالنداءُ يَبلغُ كلَّ مَن وقعَ منه ذلك الفعل. ومادّةُ الإيمانِ أ-م-ن، وهي تهيُّؤٌ مضغوطٌ يُمسِكُه الباطنُ ثمّ يَنبعثُ نافذاً إلى الخارج، وقد جاءَ هنا ماضياً منقضياً بإزاءِ أوامرَ مستقبلة، فيَصيرُ ما استقرَّ في الباطنِ أصلاً يُطلَبُ منه العمل. وبعدَ النداءِ تَجيءُ أربعةُ أوامرَ جمعيّة، فيُصبحُ الإيمانُ المنادى به مدخلاً إلى أفعالٍ مطلوبة، لا وصفاً ساكناً يَستغني عن الحركة.

«اصْبِرُوا وَصَابِرُوا»: الأمرانِ يَنقلانِ الصبرَ من الفعلِ إلى المفاعلة

والأمرُ الأوّلُ من الصبر: اصبروا. والصبرُ من ص-ب-ر ضغطٌ يَنحصرُ في مضيقٍ ويَتَّصلُ بمحلِّه، ثمّ تَمدُّه الراءُ جرياناً مسترسلاً، فيَكونُ إمساكاً يَطولُ زمنُه ولا يُفلِتُ موقفَه. وتَعطفُ الواوُ «صابروا» من المادّةِ نفسِها على صيغةِ المفاعلة، فتَنقلُ الفعلَ من ثباتٍ يَقومُ في النفسِ إلى ثباتٍ يَجري بينَ اثنَين. والأوّلُ يَطلبُ أصلَ الثبات، والثاني يَطلبُ ممارستَه في علاقةٍ ممتدّة، وتَعاقُبُ الصيغتَينِ يَمنعُ أن تُقرأَ إحداهما تكراراً للأخرى.

«وَرَابِطُوا»: المفاعلةُ تَطلبُ وَصلاً مُحكَماً تُقيمُه الجماعة

ثمّ تَعطفُ الواوُ أمراً ثالثاً: رابطوا. والربطُ من ر-ب-ط، ومدارُه على جريانٍ مسترسلٍ يَتَّصلُ ويَتمسّكُ ثمّ يَبلغُ إحكاماً عريضاً يُغطّي محلَّه، فيَحملُ وصلاً يَمنعُ الانفلات. وصيغةُ المفاعلةِ تُدخِلُ الفعلَ في علاقةٍ متبادلةٍ أو متجدّدة، وقد جاءَ الأمرُ مُطلَقاً، فالمطلوبُ إقامةُ الرَّبطِ نفسِه. وموضِعُه في السلسلةِ بعدَ الصبرِ والمصابرةِ وقبلَ التقوى يُبيِّنُ عملَه: الثباتُ القائمُ في النفسِ يَصيرُ مصابرةً بينَ اثنَين، ثمّ تَصيرُ المصابرةُ رِباطاً يَحفظُ الجماعةَ من الانفلات.

«وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»: الأمرُ الرابعُ يَتّجهُ إلى اللهِ ويَفتحُ رجاءَ الفلاح

وتَعطفُ الواوُ «اتقوا» وتَجعلُ اسمَ اللهِ مفعولاً، فتَضبطُ جهةَ الوقاية. وحرفا و-ق في التقوى يَعقدانِ إحاطةً في العمق، والافتعالُ يَجعلُ المخاطَبينَ هم المتّخذينَ لها، فبعدَ ثلاثةِ أوامرَ تَقعُ في النفسِ وفيما بينَ الجماعة يأتي الرابعُ فيُعيّنُ الجهةَ التي تُعقَدُ الوقايةُ أمامَها. ثمّ تَدخلُ «لعل» على ضميرِهم وتَجعلُ «تفلحون» خبرَها المضارع. والفلاحُ من ف-ل-ح انفتاحٌ نافذٌ يَتعلّقُ بالمَحلِّ ثمّ يَخلُصُ خارجاً، فيَحملُ بلوغاً يَشقُّ طريقَه. والرجاءُ مرتبطٌ بسلسلةِ الأوامر، لا بوعدٍ منفصلٍ عن فعلِها.


حَصيلة

تَختمُ السورةُ بنداءِ الذين آمنوا ثمّ بأربعةِ أفعالٍ متتابعة: اصبروا، وصابروا، ورابطوا، واتقوا الله، ويَحفظُ ترتيبُها انتقالاً من ثباتِ النفس، إلى ممارسةِ الصبرِ في علاقة، إلى رِباطٍ يُحكِمُ الوَصلَ في الجماعة، إلى وقايةٍ جهتُها الله. ثمّ يأتي الفلاحُ غايةً مرجوّةً بـ«لعلّكم»، لا خبراً واقعاً آليّاً. وتَقعُ الأوامرُ الأربعةُ كلُّها على جماعةِ المخاطَبين، فيَكونُ المطلوبُ عملاً تَقومُ به الجماعةُ في نفسِها، وفيما بينَها، وأمامَ ربِّها. والجذرُ المشتركُ في الأمرَينِ الأوّلَينِ يَجمعُهما، والصيغُ المختلفةُ تمنعُ اختزالَ أحدِهما في الآخر.