آل عمران · الآية 199

﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ

«وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ»: داخِلَ أَهلِ الكتابِ فِئةٌ تُؤمِن

تَعطفُ الواوُ جملةً مؤكَّدةً بـ«إنّ»، ويتقدّمُ «من أهل الكتاب» ليَجعلَ الحكمَ جزءيّاً، ثمّ تَدخلُ اللامُ على «مَن» فتُؤكِّدُ وجودَ مَن يَتّصفُ بالصلة. والأهلُ من أ-ه-ل قطعٌ يَفتحُ مجرىً خافتاً ثمّ يَتعلّقُ ويَحوز، فيَحملُ جماعةً ذاتَ صلةٍ بالكتاب. وحرفُ «من» يَفتحُ داخلَ هذه الجماعةِ فئةً مخصوصة، تتوالى بعدَه أفعالُها في الإيمانِ والخشوعِ وصيانةِ الآيات.

«يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ»: الإيمانُ يَجمَعُ اللهَ والمُنزَلَينِ ويُبقي لكلٍّ موصولَه

والإيمانُ مضارعٌ مفردٌ مراعاةً للفظِ «مَن»، وهو من أ-م-ن: تهيّؤٌ يُمسَكُ في الباطنِ ثمّ يَنبعثُ أثرُه. والباءُ تَربطُه بالله، ثمّ تَعطفُ الواوُ موصولَين: ما أُنزلَ إليكم، وما أُنزلَ إليهم. والإنزالُ من ن-ز-ل احتواءٌ يَكتنزُ ثمّ ينسابُ إلى مستقر، والبناءُ للمجهولِ يُثبِتُ وُقوعَ الإنزالِ ويُوَجِّهُ النظرَ إلى المُنزَلِ نفسِه في الصلتَين، ويَبقى الموصولانِ متمايزَينِ بجهتَيهما: إليكم، وإليهم.

«خَاشِعِينَ لِلَّهِ»: الخُشوعُ يَحمِلُ الإيمانَ إلى الله

ويأتي «خاشعين» حالاً بالجمعِ مراعاةً لمعنى «مَن»، فيَنتقلُ النظمُ من إفرادِ الفعلِ إلى جمعِ أصحابِه. والخشوعُ من خ-ش-ع اختراقٌ يَنتشرُ في جريانٍ نافذٍ ثمّ يَظهرُ من العمقِ على صاحبه، فيَحملُ انخفاضاً داخليّاً بادياً، ومجيئُه اسمَ فاعلٍ يَجعلُه وَصفاً قائماً بهم، واللامُ تُعيّنُ جهتَه: خشوعٌ لله. وموقعُه حالاً من الإيمانِ يَصِلُه بما أُنزِل، فهو هيئةُ المؤمنِ في تَلقّيه.

«لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا»: الآياتُ لا تُباعُ بثَمنٍ قَليل

وتَنفي «لا» مضارعاً جمعيّاً: لا يشترون. والباءُ تُدخِلُ آياتِ اللهِ في جهةِ المعاوضةِ المنفيّة، و«ثمناً» مفعولٌ موصوفٌ بالقِلّة. وموقعُ النفيِ بعدَ الخشوعِ يَضيفُ إلى الفئةِ صيانةً عمليّةً مستمرّة، تَبقى بها الآياتُ عندَهم فوقَ معاوضةِ الثمنِ القليل. وبهذا يَظهرُ الخشوعُ في علاقتِهم بما أُنزل، لا في وصفٍ باطنيٍّ منفصلٍ عن الفعل.

«أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ... إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ»: الصِّفاتُ تَنتهي إلى أَجرٍ سَريعِ الحِساب

ويُشيرُ «أولئك» إلى الفئةِ الموصوفةِ بكلِّ ما سبق، ويتقدّمُ «لهم» قبلَ «أجرهم» المضافِ إليهم، ثمّ يَحدّدُ «عند ربهم» جهةَ الأجر. فالأجرُ مُضافٌ إليهم ومَحلُّه عندَ ربِّهم، فيَجتمعُ في اللفظِ استحقاقُهم له وجِهةُ حِفظِه. ثمّ تَستأنفُ «إنّ» خاتمةً مؤكَّدة: اللهُ سريعُ الحساب. والحسابُ من ح-س-ب تضييقٌ يَجري في مجرىً دقيقٍ ثمّ يَتَّصلُ ويَثبت، فيَحملُ جمعاً مضبوطاً للأعمال، وبناءُ «فعيل» يُكثّفُ صفةَ السرعةِ في الإسناد، فتَقترنُ سِعةُ الحسابِ بسُرعتِه في وصفٍ واحد.


حَصيلة

تبدأُ الآيةُ بحراسةِ الحدِّ الجزئيّ: من أهلِ الكتابِ مَن يؤمنُ باللهِ وبما أُنزلَ إلى المخاطَبينَ وإليهم. ثمّ تَجمعُ لهم حالَ الخشوعِ للهِ وَصفاً قائماً بهم، ونفيَ شراءِ الثمنِ القليلِ بآياتِه. فمَوضِعُ «مِن» التبعيضيّةِ في أوّلِ الآيةِ هو الذي يَحمِلُ الحكم، ومقصودُه فئةٌ داخلَ الجملةِ عرّفَتْها أفعالُها. ويَجمعُ اسمُ الإشارةِ هذه الصفاتِ في أصحابِ أجرٍ عندَ ربِّهم، ثمّ يُختَمُ بسرعةِ حسابِ الله. والجزاءُ متّصلٌ بالفئةِ التي عرّفَتْها أفعالُها: إيمانٌ باللهِ وبالمُنزَلَين، وخشوعٌ لله، وصيانةُ آياتِه عن ثمنٍ قليل.