آل عمران · الآية 45
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ»: الخَبَرُ يَحمِلُ مَصدَرَه
تَعودُ الملائكةُ إلى نداءِ مريم، ويأتي فِعلُ البِشارةِ مُضارعاً يَفتَحُ الخَبَرَ أمامَها. البِشارةُ من ب-ش-ر اتِّصالٌ يَنتَشِرُ ثمّ يَجري أَثَرُه في المُتَلَقّي، وصيغةُ التفعيلِ تَحمِلُ شُحنةً مُستَدامةً مُتَكَرِّرة. ومَحمولُ البِشارةِ «كلمةٌ منه»، فقبلَ الاسمِ تُذكَرُ الصِّلةُ بالمَصدَر.
«اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ»: الكلمةُ تَصيرُ اسماً ونَسَباً
الكلمةُ من ك-ل-م قَطعٌ يَمتَدُّ مُتَعَلِّقاً ثمّ يَتَجَمَّعُ في وَحدةٍ تَبلُغُ مُتَلَقّيها. ولا تَبقى هنا لفظاً مُبهَماً: يَمنَحُها النَّصُّ اسماً «المسيح عيسى» ويَصِلُ الاسمَ بالأُمِّ «ابن مريم». لا يَستَورِدُ هذا الوَصفُ نَسَباً آخَر؛ العلاقةُ المَذكورةُ في الاسمِ هي التي يُثبِتُها النَّص.
«وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»: وَجهٌ في مَجالَين
«وجيهاً» من و-ج-ه، وَصلٌ يَتَجَمَّعُ في بُروزٍ ثمّ يَخرُجُ نَفَسُه إلى مَن أمامَه؛ فالوَجهُ جِهةُ الحُضورِ واللِّقاء. الوَصفُ لا يَحصُرُ هذه الوَجاهةَ في المَجالِ القريب، بل يَذكُرُ الدُّنيا والآخرةَ معاً، فيَمتَدُّ الحُضورُ عَبرَ المَجالَين اللذَين سَمّاهما النَّص.
«وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ»: القُربُ مَوضِعٌ يُمنَح
القُربُ من ق-ر-ب حَدٌّ مُحكَمٌ يَجري حتى يَتَّصِلَ ويَتمَسَّك. «المقرّبين» بناءٌ للمَفعولِ يَضَعُهم في مَوقعِ مَن وَقَعَ عليه التَّقريب، وصيغةُ التفعيلِ تُكثِّفُه شُحنةً مُستَدامةً مُتَكَرِّرة. ويأتي الوَصفُ «من» جَمعٍ، فيَضَعُ عيسى بينَ المقرَّبينِ ولا يَترُكُه وَصفاً مُنعَزِلاً.
الصِّلةُ تَسبِقُ التَّعريفَ وتَبقى فيه
تَسمَعُ مريمُ أوّلاً «كلمةً منه» قبلَ أن تَسمَعَ الاسم. فالمُبشَّرُ به لا يَدخُلُ الخِطابَ كذَاتٍ مُنفَصِلةٍ تُضافُ إليها الصِّلةُ لاحقاً؛ يَجيءُ من مَصدَرٍ، ثمَّ يُعرَّفُ في المَجالِ الإنسانيِّ باسمِه وبنِسبتِه إلى أُمِّه. وحينَ يَقولُ الخِطابُ لمريمَ «ابن مريم» يَعودُ اسمُ المُخاطَبةِ داخِلَ اسمِ المَولود. البِشارةُ تَربِطُهما من غيرِ أن تَمحُو حَدَّ أَحَدِهما: هي المُخاطَبة، وهو الكلمةُ المُسمّاةُ والابنُ المنسوبُ إليها.
ثمَّ يَمتَدُّ التَّعريفُ من الاسمِ والنَّسَبِ إلى مَوقِعَين: وَجاهةٌ تَعبُرُ الدُّنيا والآخِرة، وقُربٌ يُتَلَقّى داخِلَ جَمعِ المُقَرَّبين. الأوّلُ يَفتَحُ الوَجهَ على مَجالَين، والثاني يَرُدُّ المَوقِعَ إلى عَطاءٍ واقِعٍ عليه لا إلى مِلكٍ صادِرٍ منه. كما لم تَكُن الكلمةُ بلا مَصدَر، لا يَكونُ القُربُ بلا مُقَرِّب؛ وكما ذُكِرَ الاسمُ مُعَيَّناً، ذُكِرَ الجَمعُ الذي يَحوي القُربَ فلا يَبقى الوَصفُ عُزلة.
حَصيلة
تَبدأُ البِشارةُ بكلمةٍ من الله، ثمّ تَخرُجُ من العُمومِ إلى اسمٍ ونَسَب: المسيحُ عيسى ابنُ مريم. وبعدَ التَّعريفِ يَمتَدُّ الوَصفُ في الدُّنيا والآخرة، ثمّ يَستَقِرُّ في جَمعِ المقرَّبين. المَسارُ من المَصدَرِ إلى الاسمِ، ومن الاسمِ إلى المَوقعِ والقُرب.