آل عمران · الآية 10

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ

«الَّذِينَ كَفَرُوا»: صِلَةٌ تُعَرِّفُ بفِعل

تَفتَتِحُ الجُملةُ بـ«إنَّ» ثُمَّ باسمٍ مَوصولٍ لا يَكتَمِلُ إلّا بصِلَتِه: «الذين كفروا»، والذي يُعَرِّفُهم في مَوضِعِ الآيةِ هو الفِعلُ، لا نَسَبٌ ولا اسمُ جَماعة. والكُفرُ من ك-ف-ر كَتمٌ يُمسِكُ ما تَحتَه ويُبعِدُه عن مَجالِ الظُّهور ثُمَّ يَمتَدُّ، وما عَرَّفَهم هو وَضعُ الغِطاء، ولذلك يَبقى بابُ القِراءةِ مَفتوحاً على الفِعلِ لا على الهُويّة.

«لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ شَيْئًا»: نَفيُ الكِفايةِ إلى الأمام

و«لن» تَنفي الفِعلَ في ما يَستَقبِل، و«تُغني» من غ-ن-ي تَحمِلُ سِتراً يَحتوي في الجَوفِ ثُمَّ يَنبَعِثُ منه ما يَكفي ويَمتَدّ. الإغناءُ أن يَقومَ الشيءُ مَقامَ غَيرِه فيَدفعَ الحاجةَ عنه، غَيرَ أنَّ الجُملةَ تَقطَعُ هذا الأثَرَ قبلَ أن يَبدأ: لن تَكفيَ عنهم.

ثُمَّ يأتي «شيئاً» نَكِرةً في سِياقِ النَّفي، فيَغلِقُ أصغَرَ مَنفَذٍ لِلكِفاية، وعُدِلَ عن نَفيِ الإغناءِ الكَثيرِ إلى نَفيِ أن تُغنيَ شيئاً. و«من الله» تَجعَلُ الجهةَ التي لا يَقَعُ عنها الإغناءَ صَريحة، وحينَ يَسقُطُ أصغَرُ شيءٍ يَسقُطُ وَهمُ المَجموعِ الكبير.

«أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم»: ما يُجمَعُ وما يَمتَدُّ

وجاءَ الفاعِلانِ بَعدَ الفِعل: «أموالُهم ولا أولادُهم». المالُ من م-و-ل ما يُمسَكُ ويُحتَوى، يَتَّصِلُ ويَتَعَلَّقُ بصاحِبِه، والولدُ من و-ل-د وَصلٌ يَتَعَلَّقُ ثُمَّ يَندَفِعُ مُمتَدّاً خارِجَه، والأوّلُ ما يُضَمُّ إلى اليَد، والثاني ما يَمتَدُّ من الجَسَد والنَّسَب. وتَكرارُ ضَميرِ المِلكِ «هم» يُظهِرُ شِدّةَ التَّعَلُّقِ بكِلَيهما.

ثُمَّ إنَّ «لا» تَفصِلُ الأولادَ كما سَبَقَ أن نَفَت أثرَ الأموال، ولا يَنتَقِلُ فائضُ شيءٍ إلى الآخر، ولا يَصيرُ امتِدادُ النَّسَبِ بَديلاً من الجَمعِ المادّي. والآيةُ تَنفي أن يَقومَا مَقامَ صاحِبِهما في هذه الجهة، ولا تَذُمُّ المالَ ولا الوَلدَ في ذاتِهما، وما يَملِكُه الإنسانُ لا يَملِكُ مَصيرَه.

«هُمْ وَقُودُ النَّارِ»: الضَّميرُ يَمنَعُ البَديل

وتَختِمُ الجُملةُ باسمِ الإشارةِ البَعيد «أولئك»، ثُمَّ تَضعُ ضَميرَ الفَصلِ «هم» قَبلَ الخَبَر، وهذا الضَّميرُ يُشَدِّدُ التَّطابُق: الوقودُ «هم»، وليس شيئاً من أموالِهم يُدفَعُ بَدَلاً عنهم. والوَقودُ من و-ق-د إحاطةٌ تَحتَبِسُ فيها شِدّةٌ ثُمَّ تَندَفِعُ نافذةً، وهو مادّةٌ تَحمِلُ اشتِعالَ النار.

هكذا تَنقَلِبُ عَلاقةُ المِلكِ: ظَنَّ التَّعَلُّقُ أنَّ ما حَولَ الإنسانِ يَكفيه، فَتَنفي الآيةُ كِفايةَ ما جَمَعَ وما امتَدَّ منه، ثُمَّ تَجعَلُه هو مادّةَ المَشهَد، والغِطاءُ الذي وُضِعَ على الآياتِ لا يَصيرُ غِطاءً من النار.


حَصيلة

تُعَرِّفُ الآيةُ أصحابَ المَشهَد بفِعلِ السَّتر، ثُمَّ تَستَقبِلُ ما يَظُنُّونَه كِفايةً بـ«لن». والمالُ جَمعٌ مُتَعَلِّق، والوَلدُ وَصلٌ مُمتَدّ، غَيرَ أنَّ «شيئاً» النَّكِرةَ تَرفَعُ عنهما كُلَّ قُدرةٍ على الإغناءِ من الله. وبعدَ أن يَسقُطَ البَديلُ يأتي «هم» فاصِلاً: هُم وَقودُ النار دونَ أموالِهم وأولادِهم، وما جُمِعَ حَولَ النَّفسِ لا يَصيرُ جِداراً إذا صارت النَّفسُ مادّةَ المَشهَد.