آل عمران · الآية 95

﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ۗ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ۗ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

«قُلْ صَدَقَ اللَّهُ»: الحُجّةُ تُختَمُ بحُكمٍ مُوجَز

جاءَ «قل» بعدَ طَلَبِ إحضارِ الكتابِ وتِلاوتِه، وبعدَ الحُكمِ على الافتراءِ الذي يَستَمِرُّ من بَعدِ ذلك، والمَقولُ جُملةٌ قصيرةٌ فاعِلُها الله: «صدق الله». والصِّدقُ من ص-د-ق إمساكٌ صُلبٌ يَثبُتُ تحتَ ضَغطٍ ثمّ يَخرُجُ في حُكمٍ فاصِل. والفِعلُ ماضٍ، وبه ثَبَتَ تَحقُّقُ الصِّدقِ واقِعاً تامّاً، وبَقِيَ المَقولُ جُملةً واحِدةً تَختَصِرُ نتيجةَ الاختبارِ في ثَباتِ قولِ الله، فيَقومُ اللَّفظُ القصيرُ مَقامَ البَيانِ الطَّويلِ الذي طُلِبَ قَبلَه.

«فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ»: النَّتيجةُ حَرَكةُ اقتِفاء

والفاءُ تَربِطُ صِدقَ الله بالأمرِ «اتبعوا»، فيَنتَقِلُ الحُكمُ من الإقرارِ إلى الحَرَكة. والاتِّباعُ من ت-ب-ع، ونواتُه المُلزِمةُ «تب» هي: إمساكٌ ضعيفٌ يُفلِتُ ما تَجمَّع، ثمّ تأتي العينُ فتَقبِضُ على ما أفلَتَ وتَلتَحِمُ بِه، فيَلحَقُ التّابِعُ ما أفلَتَ ويَلصَقُ بِه، وصيغةُ الافتِعالِ تُدخِلُ المخاطَبينَ عامِدينَ في الاقتِفاء. ومَفعولُه «ملة إبراهيم»، والمِلّةُ من م-ل-ل ضَمٌّ يَمتَدُّ مُتَعَلِّقاً بمَسار، ثمّ يُضاعِفُ تَكرارُ اللامِ اتِّصالَ الطريقِ حتى يَصيرَ سَبيلاً مُلازَماً.

«حَنِيفًا»: مَن اتَّبَعَ المِلّةَ اتَّبَعَ حَنَفَها

و«حنيفاً» حالٌ من إبراهيمَ المذكور، تَمنَعُ أن تَبقى المِلّةُ عنواناً بلا اتِّجاه. وأصلُ ح-ن-ف احتِواءٌ باطِنٌ يَنبَعِثُ من داخِلِه إلى الخارِج ثمّ يَفتحُ شَقّاً يُباعِدُ عن الجِهةِ الأُولى، فالحَنَفُ مَيلٌ يَترُكُ انحِرافاً ليَستَقيمَ في وِجهةٍ أُخرى. وقُوّةُ الحالِ في أنَّ الأمرَ باتِّباعِ المِلّةِ يَحمِلُ معه هذا المَيلَ المُتَّجِهَ الذي وَصَفَ صاحِبَها، فمَن اتَّبَعَ المِلّةَ اتَّبَعَ حَنَفَها، إذ الحالُ مَذكورةٌ في الجُملةِ نَفسِها التي جاءَ فيها الأمرُ بالاتِّباع.

«وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ»: إبراهيمُ خارِجٌ عن جِنسِهم

وعَطَفَت الواوُ جُملةً تَنفي أن يكونَ إبراهيمُ من المشركين. والشِّركُ من ش-ر-ك حَصرٌ يَضمُّ أَطرافاً ثمّ يَجري مُستَرسِلاً حتى يَلتَقي غائراً ويُدخِلَ بعضَها في بعض، وصيغةُ الإفعالِ في «المشركين» تُدخِلُ صاحبَها في إحداثِ هذه المشاركة، واسمُ الفاعِلِ يَجعَلُها طبيعةً فاعِلةً مُستَمِرّة. و«ما كان» و«من» تَنفيانِ دخولَ إبراهيمَ في جِنسِهم، وبذلك يُضبَطُ الأمرُ من جهتَين: حالٌ إيجابيّةٌ هي الحَنَف، وحدٌّ منفيٌّ هو الشِّرك.


حَصيلة

تَختَصِرُ الآيةُ نَتيجةَ الحُجّةِ في «صدق الله»، وتَجعَلُ الفاءُ لهذا الحُكمِ أَثَراً عَمليّاً هو اتِّباعُ مِلّةِ إبراهيم. وتَضبِطُ الآيةُ المِلّةَ بوَصفَينِ من لَفظِها، هما حالُ «حنيفاً» ونَفيُ أن يكونَ صاحِبُها من المشركين، فالاتِّباعُ مَحدودُ الجِهةِ بما نَطَقَت به الجُملةُ نفسُها. والحَرَكةُ تبدأُ من صِدقٍ ثابت، وتَصيرُ اقتِفاءً عامِداً، ويُعطيها الحَنَفُ اتِّجاهَها، ثمّ يَمنَعُ نَفيُ الشِّركِ أن تُردَّ إلى جِهةٍ تُناقِضُ وصفَ صاحبِها.