التكاثر · الآية 6
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«لَتَرَوُنَّ»: لامٌ تُقسِمُ، وَنونٌ تُلزِم
«لَتَرَوُنَّ» فِعلٌ يَحمِلُ ثَلاثَةَ تَأكيدات. اللامُ في أَوَّلِه لامُ القَسَمِ، تَدُلُّ على قَسَمٍ مَحذوف: «وَاللهِ، لَتَرَوُنَّ». ثُمَّ نونُ التَّوكيدِ الثَّقيلَةُ المُشَدَّدَةُ في آخِرِه تَلزَمُ السامِعَ بأنَّ الفِعلَ واقِعٌ لا مَحالَة. ثُمَّ صيغَةُ المُضارِعِ المُسنَدِ إلى الجَمع تَفتَحُ المَجالَ على كُلِّ سامِع. ثَلاثَةُ تَأكيداتٍ في كَلِمَةٍ واحِدَة، ولَيسَ هذا في القُرآنِ كَثيراً.
والتَّأكيداتُ تَجتَمِعُ هنا لأنَّ ما يَأتي بَعدَها يَستَدعي إنكاراً. المُتَكاثِرُ الذي سَمِعَ ثَلاثَ كَلَّات، يَحتاجُ بَعدَ ذلك إلى قَسَم. القَسَمُ يَفتَحُ في الكَلامِ سَقفاً لا يَتَجاوَزُه إلّا الكاذِبُ، وَالكَلامُ هنا من رَبٍّ لا يَكذِب. لذلك يَأتي القَسَمُ ضَربَةً تَكسِرُ آخِرَ احتِمالِ التَّأويل.
«الجَحيم»: النارُ المُتَأَجِّجَةُ المَعهودَة
الجِذرُ ج-ح-م في العَرَبيَّةِ يَدورُ على الالتِهابِ المُكَثَّف. الجاحِمُ الشَّديدُ الحَرّ. والجَحيمُ نارٌ تَتَأَجَّجُ بِشِدَّةٍ تَجعَلُ ألسِنَتَها كُتلَةً واحِدَة. ليسَت نارَ التَّسخينِ ولا نارَ الإضاءَة؛ هي نارُ الالتِهابِ الذي يَأكُلُ ما يَلتَقي به. واسمُها في اللُّغَةِ يَحمِلُ الصَّوتَ نَفسَه: حاءٌ شَديدَةُ الحَرارَة، وَجيمٌ تَصِلُ النَّفَسَ بمَخرَجٍ يَشبَهُ صَوتَ الالتِهاب.
والتَّعريفُ بـ«الألف واللام» في «الجَحيم» إخبارٌ ثُمَّ فَضيحَة: ليسَت نارٌ تُكتَشَف، بَل النارُ المَعهودَة. كأنَّ النَّصَّ يَقولُ: أنتم تَعرِفونَها سَماعاً، وَسَتَرَونَها عَيناً. المَسموعُ سَيَصيرُ مَرئيّاً، وَالخَبَرُ سَيَصيرُ مَنظَراً، وَالتَّأويلُ سَيَنقَطِع.
والبَقَرَةُ تَفتَحُ مَشاهِدَ النارِ في غَيرِ مَوضِع وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، وَهنا تَتَهَكَّمُ البَقَرَةُ بأن يَستَعمِلَ الفِعلَ «بَشِّر» في مَوضِعِ التَّحذير. السورَةُ هنا تَفعَلُ ما تَفعَلُه البَقَرَةُ: تَجعَلُ خَبَرَ النارِ يَأتي بصيغَةِ القَسَمِ المُؤَكَّد، فَيَكسِرُ المُكاثَرَة. مَن أَيقَنَ أنَّه سَيَرى، لَم يَعُد يُكاثِر.
الرُّؤيَةُ قَبلَ المَسّ: الدَّرَجَةُ الثَّانيَةُ من اليَقين
الآيَةُ السابِقَةُ فَتَحَت «عِلمَ اليَقين»، وَهَذه الآيَةُ تَفتَحُ بابَ الرُّؤيَة. وَهي الدَّرَجَةُ الثَّانيَةُ في سُلَّمِ اليَقينِ الذي يَبنيهِ النَّصُّ نَفسُه: عَينُ اليَقين. والآيَةُ التَّاليَةُ هي التي تُسَمّيها بِاسمِها ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾. أمّا هذه الآيَةُ فَتَفتَحُ بابَ الرُّؤيَةِ ذاتِها بدونِ تَسمِيَة: سَتَرَونَ. الإثباتُ يَأتي قَبلَ التَّوصيف.
وَفي هذا الترتيبِ مَنطِق: العِلمُ ثُمَّ الرُّؤيَة، الرُّؤيَةُ ثُمَّ تَعريفُ الرُّؤيَة. خُطوَتان نَنتَقِلُ بِهِما من ما يَقولُه القَلبُ إلى ما تَرى العَين. والمُتَكاثِرُ الذي عاشَ كُلَّه عَدّاً، سَيَنتَقِلُ من حِسابِ الكَومَةِ إلى مُشاهَدَةِ النار. الانتِقالُ من المُجَرَّدِ إلى المَحسوسِ هو نَفسُه الانتِقالُ من الانصِرافِ إلى الإجبار.
حَصيلة
بَعدَ ثَلاثِ كَلَّاتٍ وَالإبهامِ في «سَوفَ تَعلَمون»، تَنزِلُ السورَةُ هُنا إلى تَعيين. ما كانَ مُجَرَّداً يَتَحَدَّدُ في كَلِمَتَين: «لَتَرَوُنَّ الجَحيم». الفِعلُ يَحمِلُ ثَلاثَةَ تَأكيدات: لامُ القَسَمِ المَحذوف، نُفوذُ «لَو» في «لَتَ»، وَنونُ التَّوكيدِ الثَّقيلَةُ في الآخِر. قَسَمٌ وَتَأكيدٌ وَإلزام.
وَالفِعلُ المَخصوصُ هو الرُّؤيَة. لَم يَقُل «لَتَدخُلُنَّها» وَلا «لَتَصلَونَّها»، بَل «لَتَرَوُنَّ». الرُّؤيَةُ سابِقَةٌ على الدُّخول. النارُ تُرى أَوَّلاً، تَنكَشِفُ لِلبَصَر قَبلَ أَيِّ مَسٍّ. وَجِذرُ (ج-ح-م) يَدورُ على الالتِهابِ المُكَثَّف: جَحيمٌ نارٌ تَتَأَجَّجُ فَتَجمَعُ أَلسِنَتَها في كُتلَةٍ واحِدَة. وَالتَّعريفُ بـأل يَجعَلُها مَعهودَة: لَيسَت جَحيماً نَكِرَة، بَل الجَحيمُ التي يَنبَغي لِلسامِعِ أَن يَكونَ سَمِعَ بِها. اللامُ تَستَدعي عِلماً سابِقاً فَتَفضَحُ مَن سَمِعَ وَلَم يَتَأَثَّر.
وَالتَّدَرُّجُ في السورَةِ يَتَّضِح: «أَلهاكُم» فِعلٌ ماضٍ كانَ، وَ«سَوفَ تَعلَمون» مُستَقبَلٌ مُبهَم، وَ«لَتَرَوُنَّ الجَحيم» مُستَقبَلٌ مُعَيَّن. ما كانَ في الأُذُنِ خَبَراً يَصيرُ في العَينِ مَنظَراً. وَالعَينُ لا تَتَفاوَضُ مَعَ ما تَرى.