الكافرون · الآية 6

﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ

«لَكُم... وَلِيَ»: تَوازُنٌ في الجِهَتَين، فَصلٌ بِلا قَطعِ الأَدَب

الآيَةُ تَستَخدِمُ صيغَةَ التَّوازي البَلاغيِّ في أَقصى ما يَكونُ: لَكُم دينُكُم ـ وَلِيَ دين، فكلُّ كَلِمَةٍ في طَرَفٍ تُقابِلُها كَلِمَةٌ في الطَّرَفِ الآخَر، الجارُّ والمَجرورُ ثمّ الاسمُ المُضاف. غَيرَ أنّ السورةَ تَتَجَنَّبُ المُساوَاةَ التامَّة: الياءُ في «دينِ» سَكَنَت ولم تَظهَر، فَبَقِيَ في طَرَفِ المُتَكَلِّمِ شَيءٌ من الصَّمتِ لا يَتَرَجَّمُ بِكَلِمَةٍ كامِلَة.

وفي هذا الصَّمتِ بَلاغَةٌ خَفيفَة، فلَو قِيلَ «وَلِيَ ديني» على المُساواةِ التامَّة لَكانَ التَّوازي حَدَّ المُماثَلَة. وحَذفُ الياءِ يَكسِرُ المُماثَلَةَ بِأَدَب، فلا يَدَّعي المُتَكَلِّمُ أنَّ ديْنَه نِظيرُ دِينِكُم في كلِّ شَيء، وحَسبُه أن يُقَرِّرَ أنَّ لَه ديناً ولَهم ديناً. والتَّسليمُ في الكَلِمَة، والفَرقُ في الصَّمت.

وَهذا الأَدَبُ في الفَصلِ هو ما يَجعَلُ السورةَ نَموذَجاً لِلحَدِّ النَّظيف، وليس كلُّ فَصلٍ قَطعاً، والفَصلُ الذي تَنطِقُه السورةُ يُبقي السَّلامَ في النَّحو، ويُسَلِّمُ القاعَةَ لِكُلٍّ بِما اختار. ومَن قَرَأَ هذه الآيَةَ بَعدَ الآياتِ الأَربَعِ السابِقَةِ سَمِعَ في النَّحوِ نَفسِه ما يَسمَعُه في المَعنى: حَدٌّ يُرسَم، لا حَربٌ تُشَنّ.

«دين»: السِّيرَةُ التي يَنعَقِدُ بها القَلب، لا المَذهَبُ المُعتَنَق

والجَذرُ د-ي-ن في اللِّسانِ العَربيِّ يَدورُ على الالتِزامِ والانعِقاد، يُقالُ «دانَ» الرَّجُلُ بِشَيءٍ إذا التَزَمَ به وَجَعَلَهُ سِيرَتَه، ومنه «المَدين» مَن يَستَدينُ فيَلزَمُهُ ما اِستَدان، وَ«الدَّينُ» ما يَنعَقِدُ على الذِّمَّةِ فلا يُفلِت. والدِّينُ بكَسرِ الدّالِ السِّيرَةُ والطَّريقَةُ التي يَدينُ بها صاحبُها، أَيِ التي تَنعَقِدُ على ذِمَّتِهِ القَلبيَّةِ فَتُسَيِّرُه.

فالكَلِمَةُ في هذه الآيَةِ ليست حِزباً ولا طائفَةً ولا مَذهَباً مُسَجَّلاً، والمُرادُ بها السِّيرَةُ التي يَلزَمُ كلٌّ بها قَلبُه، وَيَجري في حَياتِه على ما يَفرِضُه عَلَيه، ولِلكافِرينَ سِيرَةٌ يَنعَقِدونَ بها، ولِلمُتَكَلِّمِ سيرةٌ يَنعَقِدُ بِها. وليس في الآيةِ حُكمٌ بِأَنَّ السِّيرَتَين سَواء، وفيها تَقريرٌ بِأَنَّ كُلاًّ يَلزَمُهُ ما يَلزَمُه.

وَفي مَعنى الجَذرِ شَيءٌ يَفتَحُ القارئَ على نَفسِه، فـ«دينُه» هو ما يَنعَقِدُ على ذِمَّتِه فَيُسَيِّرُه من حَيثُ لا يَدري، أي ما يَلزَمُه فِعلاً، وليس ما يَدَّعيه ولا ما يُسَجَّلُ به في وَثيقَة. والسورةُ في خاتِمَتِها تَترُكُ القارئَ أَمامَ هذا السُّؤال: على أَيِّ ذِمَّةٍ يَنعَقِدُ قَلبي حِين أُغمَضُ عَن العَين؟

السورةُ تُسَلِّمُ القاعَةَ، فَيَأتي الإِخلاص

والآيَةُ السادِسَةُ خَتمُ السورة، وَخَتمُ السورةِ خَتمٌ لِمَوقِف. وقد كانَتِ السورةُ خَلوَةً تَسبِقُ التَّوحيد، وَالخَلوَةُ هُنا تَكتَمِل: الفَصلُ ثَبَتَ، والفاعِلانِ سُمّيا، والزَّمَنُ استُنفِذَ، والصِّفَةُ سُمِّرَت، ولا يَبقى إِلّا أن تُسَلَّمَ القاعَةُ لِكُلٍّ على ما اختار، وَيُغادِرَ المُتَكَلِّمُ بِأَدَب.

وَالكِتابُ يَقرَأُ بَعدَ هذه الآيةِ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، ثمّ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾، ثمّ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وكأنَّ الإِخلاصَ كانَ يَنتَظِرُ أن تُنَظَّفَ القاعَةُ قَبلَ أن يُنطَقَ بِه، ولا يُمكِنُ أن يُنطَقَ بِالأَحَدِيَّةِ في قاعَةٍ مَخلوطَة. ولِذلِكَ كانَت الكافِرونَ ضَرورَةً قَبلَ الإخلاص، وخاتِمَتُها الفَصلُ، وَالفَصلُ شَرطُ النُّطقِ بِالتَّوحيدِ المُحَرَّر.

ومَن قَرَأَ الكافِرونَ وَأَخَذَ نَفَسَه عَلى خَتمِها، ثمّ نَطَقَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، عَلِمَ أنَّ التَّوحيدَ قاعَةٌ نَظيفَةٌ تَستَقبِلُ الكَلِمَة، وليس صَيحَةً تُلقى.


حَصيلة

تَختِمُ السورةُ بِجُملَةٍ مَوزونَةٍ في جِهَتَين: «لَكُم دينُكُم ولِيَ دين». و«الدِّين» (د-ي-ن) السِّيرَةُ التي يَنعَقِدُ بها القَلب، والجَزاءُ الذي يَستَقِرُّ فيه الحِساب، وهو مَسلَكٌ حَيٌّ يَنتِجُ سُلوكاً، وليس مَذهَباً نَظريّاً. والتَّوازُنُ في الصياغَةِ مَقصود، فـ«لَكُم» يُساوي «ولِيَ» في الطُّولِ والوَزن، ولا هُجومَ فيها على الجِهَةِ الأُخرى، ولا انتِقاصَ من قيمَتِها، وهي فَصلٌ بِلا قَطع، وصَراحَةٌ بِلا عَداوَة. والسورةُ تُسَلِّمُ القاعَةَ لِكُلِّ طَرَف، وتَترُكُ ما بَعدَها يَقولُ ما هو أَعمَق: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ والكافِرون يَسمَعون الفَصل، والمُؤمِنُ يَسمَعُ ما يَأتي بَعدَه.