الفلق · الآية 4

﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ

«النَّفّاثات» (ن ف ث): النَّفسُ التي تُلصِقُ ما خَرجَ بها

«النَّفث» في اللسانِ العربيّ نَفسٌ يَخرجُ من الفَمِ مَعَ شَيءٍ قَليلٍ من الرِّيق، وهو وَسَطٌ بَينَ البُصاقِ المُتدفّقِ والنَّفَسِ المُجرَّد. ويَتميّزُ عن سائرِ ما يَخرجُ من الفَمِ بكَونه «يَلتصقُ» بمَن يَنفُثُ عليه، ولذلك قال العَرب: «نَفَثَ في رُوعِه»، أي أَلقى في باطنِه شَيئاً يَلصَق.

وصِيغةُ «نَفّاثات» مُبالَغةٌ مُؤنَّثة، يُرادُ بها جَماعةٌ تَنفُثُ كثيراً، لا واحدةٌ نَفَثَت مَرّةً. والتأنيثُ هنا يَتعلّقُ بصِفةِ الفِعلِ، وهي النُّفوسُ النَّفّاثة، أكثرَ ممّا يَتعلّقُ بجِنسٍ بشريّ، وكلُّ نَفسٍ تَخرجُ مع قَصدٍ مُلصِقٍ هي من هذا الجِنس، رَجُلاً كانَت صاحبتُها أَم امرأة، والاستعاذةُ في الآيةِ من جِنسِ الفِعلِ دونَ جِنسٍ بَشريّ.

«في العُقَد» (ع ق د): الرِّباطُ المُحكَمُ يَحبسُ النِّيّة

و«العَقد» في العربيّةِ رِباطٌ مُحكَمٌ يَجمَعُ طَرَفَين، وعُقدةُ الحبلِ تَجعلُ الطَّرَفَين في مَكانٍ واحدٍ ولا يَنفلتان إلّا بفَكِّها. ويَستخدمُ القرآنُ هذا الجذرَ في معانٍ راقية: «عَقدُ النِّكاح»، وهو رِباطُ شَخصَين، و«عَقَّدتُمُ الأَيمَان»، وهو رِباطُ اللسانِ بالحُكم، وأَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، وهي رَوابطُ مَحفوظة. فالعَقدُ في أصلِه إيجابيّ، يَجمَعُ ويَحفَظ.

أمّا حين يَكونُ النَّفثُ «في العُقَد» فقد انقلبَ المعنى، وصار العَقدُ مَوضعاً يُحبَسُ فيه قَصدٌ مُؤذٍ، كأنّ السَّاحرَ يَستعيرُ بُنيةَ العَقدِ المُحكَمة، غيرَ أنّه يُودِعُ فيها نَفسَه المُلصِقةَ بدلاً من الإيجابِ والوَفاء. وهندسةُ الرِّباطِ نفسُها صالحةٌ للحَملِ ولِحَملِ السُّمّ.

السِّحرُ بُنيةً، لا قُوّةً مُستقلّة

وتُسمّي الآيةُ «السِّحرَ» بمَعمَلِه دونَ اسمِه، فتَكشِفُ كَيف يَعمَل: نَفسٌ تَخرج، وعُقدةٌ تَستقبلُ، وقَصدٌ يَلتصقُ بالعَقدِ فيَنعَقد. وحين يَنعَقدُ القَصدُ مع الرِّباطِ يَصيرُ السِّحرُ شَيئاً مَوجوداً في العالَمِ يُؤذي.

وفي هذا تَعليمٌ لطيف، فالسِّحرُ ضَرَرٌ بُنِيَ من مَوادَّ مَخلوقة، وليس قُوّةً مُوازيةً للخَلق: النَّفسُ مَخلوقة، والعَقدُ من فِعلٍ مَخلوق، والقَصدُ في القَلبِ مَخلوق، والسَّاحرُ يَستعمِلُ ما خُلِقَ ضِدّاً لمن خُلِقَ له. ولذلك جاءت الآيةُ في سِياقِ «ما خَلَق» في الآيةِ الثانية، فالسِّحرُ من جِنسِ ما خُلق، غَيرُ خارجٍ عنه، والاستعاذةُ به من خَلَقَ المَوادَّ كلَّها كافيةٌ لفَكِّ ما رُكِّبَ منها.

صَدى الآيةِ الأُولى: الفَلَقُ يَفلقُ العُقَد

الفَلَقُ شَقُّ المُغلَق، والعُقدةُ مُغلَقَة، والفَلْقُ يَحُلُّ ما عُقِد. وهنا تَكتَملُ هندسةُ الاستعاذةِ بربِّ الفَلَقِ من النَّفّاثاتِ في العُقَد: أَن يَفلقَ الربُّ كلَّ عُقدةٍ نُفِثَ فيها قَصدٌ ضِدَّك.

ويَذكرُ القرآنُ نَقيضَ النَّفّاثاتِ في أوصافِ المؤمنين: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾، فهؤلاء يَصِلون، والنَّفّاثاتُ يَعقِدْنَ بقَصدٍ مُؤذٍ، والوَصلُ بإذنِ الله، والعَقدُ المُؤذي خَرجَ عن الإذن. والاستعاذةُ تَستحضِرُ الإذنَ الأَعلى الذي يَفلقُ كلَّ ما لم يُؤذنْ به.

وكلُّ ما عُقِدَ بنَفَسٍ خَفيٍّ يَنفلقُ بنَفَسٍ من اسمٍ مَرفوع.


حَصيلة

الشَّرُّ الثاني المُسَمّى فِعلٌ يُمارَس، وهو نَفْثٌ في عُقَد، وليس ظَلاماً يَستَقِرّ. والنَّفثُ في جذرِه (ن-ف-ث) نَفَسٌ يَخرُجُ من الفَمِ مَعَ شَيءٍ قَليلٍ من الرِّيق، بَين البُصاقِ المُتَدَفِّقِ والنَّفَسِ المُجَرَّد، ويَتَمَيَّزُ بكَونِه «يَلتَصِقُ» بِمَن يَنفُثُ عليه، وقالَت العَرَب: «نَفَثَ في رُوعِه» أَي أَلقى في باطنِه شَيئاً يَلصَق. وصِيغةُ «نَفّاثات» مُبالَغةٌ مُؤَنَّثة، تُحيلُ إلى صِفةِ النَّفسِ نَفسِها دونَ جِنسٍ بَشَريٍّ بعَينِه، فهي النُّفوسُ النَّفّاثة، رَجُلاً كانَ صاحِبُها أَو امرأة. ثُمّ تَأتي الكلمةُ الأُخرى: «في العُقَد». والعَقدُ في جذرِه (ع-ق-د) رِباطٌ مُحكَمٌ يَجمَعُ طَرَفَين، وأَكثَرُ استِعمالاتِه في القرآنِ إيجابيّةٌ: «عَقدُ النِّكاح» أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، والرِّباطُ في أَصلِه هَندَسةُ الوَفاء، يَجمَعُ طَرَفَين فلا يَنفَلِتان. والنَّفثُ «في العُقَد» انقِلابٌ لهذه الهَندَسة: يَستَعيرُ الساحرُ بُنيَةَ الرِّباطِ غيرَ أنّه يُودِعُ فيها نَفساً مُلصِقةً بدلاً من الإيجابِ والوَفاء، فيَنعَقِدُ القَصدُ المُؤذي معَ الرِّباطِ ويَصيرُ شَيئاً مَوجوداً في العالَمِ يُؤذي. وفي هذا تَعليمٌ لطيف، فالسِّحرُ ضَرَرٌ بُنيَ من مَوادَّ مَخلوقة، وليس قُوّةً مُوازِيةً للخَلق: النَّفسُ مَخلوقة، والعَقدُ من فِعلٍ مَخلوق، والقَصدُ في القَلبِ مَخلوق، والسَّاحرُ يَستَعمِلُ ما خُلِقَ ضِدَّ مَن خُلِقَ له، ولِذلك جاءَت هذه الآيةُ في سِياقِ «ما خَلَق» في الآيةِ الثانية. وفي تَقابُلِ الآيةِ الأُولى مع الرابعةِ تَنعَقِدُ هندسةُ الاستِعاذة، فالفَلَقُ شَقُّ المُغلَق، والعُقدةُ مُغلَقَة، والفَلْقُ يَحُلُّ ما عُقِد. ويَذكُرُ القرآنُ نَقيضَ النَّفّاثاتِ في أَوصافِ المؤمنين: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾، فهؤلاءِ يَصِلونَ بإذنِ الله، والنَّفّاثاتُ يَعقِدْنَ بقَصدٍ خَرَجَ عن الإذن، والاستِعاذةُ تَستَحضِرُ الإذنَ الأَعلى الذي يَفلِقُ كلَّ ما لم يُؤذَنْ به، وكلُّ ما عُقِدَ بنَفَسٍ خَفيٍّ يَنفَلِقُ بنَفَسٍ من اسمٍ مَرفوع.