الفلق · الآية 5

﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ

«حاسد» (ح س د): الإحساسُ النافذُ المُحتبَسُ في الصَّدر

«الحَسَد» في اللسانِ العربيّ يَنطقُ جذرُه ح-س-د بمعنىً أَدَقّ، ولا يَقفُ عند تَمنّي زَوالِ النِّعمةِ عن الغَير: إحساسٌ نافذٌ يَحتبسُ ويَمتدّ. فالحرفُ الأوّلُ ح من جِنسِ الحياةِ الحارّة، والثاني س من جِنسِ النَّفاذِ الدَّقيق، والثالثُ د من جِنسِ الاحتباسِ والتَّثبيت. والحاسدُ يُحِسُّ بنِعمةِ الغَيرِ إحساساً نافذاً، ثمّ يَحتبسُ هذا الإحساسُ في باطنِه ويَأكلُ صاحبَه من داخل، فلا يَنفلتُ ولا يَتحوَّلُ إلى فَرَحٍ ولا إلى دُعاء.

وبهذا الإصغاءِ يُفرَّقُ بين الحَسَدِ و«الغِبطة» التي تَتَمَنّى مِثلَ ما عند الغَيرِ بلا تَمَنّي زَوالٍ عنه، فالغِبطةُ تَتحرّك، أمّا الحَسَدُ فيَحتبس. ومن هنا كان الحاسدُ أوّلَ ضَحايا حَسَدِه، إذ يَحتبسُ الإحساسُ النَّافذُ في صَدرِه فيُهلِكُه قبل أن يَصلَ ضَرَرُه إلى المَحسود.

«إذا حَسَد»: الحاسدُ موجودٌ قبل الفِعل، والشَّرُّ في الفِعل

وعُدل في الآيةِ عن إطلاقِ «من شَرِّ الحاسد» إلى تَقييدِه بـ«إذا حَسَد». فالحاسدُ قد يَكونُ في النَّاسِ كثيراً، لكنّه لا يَضُرّ إلّا حين يَحسُد، أي حين يُفعِّلُ ما في صَدرِه فيَخرجُ منه إلى المَحسود، وبين الحاسدِ الذي يَكتُمُ فيُؤذي نَفسَه ولا يَتعدّى، والذي يُطلِقُ فيَتعدّى، فَرقٌ.

وفي هذا تَخفيفٌ على النَّفس، فما في الصُّدورِ لا يَخرجُ كلُّه، وما يَخطُرُ لا يَنفُذُ كلُّه، والإنسانُ مَسؤولٌ عمّا يَفعَل، لا عمّا يُحاوِلُ كَتمَه. والحاسدُ الذي يَستعيذُ من حَسَدِه قبل أن يَفعلَ نَجا من شَرِّ نَفسِه، والمَحسودُ الذي يَستعيذُ بربِّ الفَلَقِ مَنعَ الفِعلَ من الوُصول، وهكذا يَسُدُّ القَوسانِ البابَ من جِهَتَيه.

صَدى البَقَرة: الحَسَدُ الذي ذَكرَه القرآن

ويَكشِفُ القرآنُ مَوضعاً واضحاً للحَسَد، يَجعلُه نَموذَجاً لكلِّ حَسَدٍ بَعدَه: وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾. ومَحلُّ النَّظَرِ فيها «حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم»، فالحَسَدُ خَرَجَ من باطنِهم، ولم يَنزِل عليهم من خارج. والمُسبِّبُ ظُهورُ الحَقّ، لا قُصورٌ فيه: «من بَعدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقّ». فالحَسَدُ في القرآنِ ينبَعِثُ غالباً بعد أن يَتَبيَّنَ صاحبُه وَجهَ النِّعمةِ في غيرِه، فيَحتبسُ بدلَ أن يَفرَح.

والاستعاذةُ في الفَلَقِ تَستعيذُ من جِنسِ ما وَصَفَتهُ البقرة، غَيرَ أنّها تَختمُ السورةَ بهذا الشَّرِّ بالذات لأنّه أَخفاها، وأَعظمُها أَثَراً، وأَكثرُها تَلَبُّساً بالقَلب. والفَلَقُ يَفلقُ الليلَ من فَوق، وَيَفلقُ العُقدةَ بمَوضعٍ مَكشوف، أمّا الحَسَدُ فيَفلقُهُ مِن داخلِ الحاسدِ نَفسِه قبلَ أن يَصِلَ إلى المَحسود.

خاتمةُ السُّورة: ثَلاثُ صُوَرٍ من الإغلاق، ومَوضِعٌ واحدٌ للفَلْق

وتَرسُمُ السورةُ في خَمسِ آياتٍ هندسةً كاملة: آيةٌ أُولى تَفتحُ المَلجأ، وآيةٌ ثانيةٌ تُعمِّمُ المُهَدِّد، ثمّ ثَلاثُ آياتٍ تُسمّي ثَلاثَ صُوَرٍ من الإغلاق: زَمَنٌ يَستوطن، وفِعلٌ يَحبسُ القَصد، ونَفسٌ تَحبسُ إحساسَها. وهي ثلاثةٌ يَختلفُ شَكلُها وتَتّفقُ هندستُها، فكلُّها مُغلَقات.

والمَلجأُ ضِدَّها واحد، هو ربُّ الفَلَق، الذي يَفلقُ الفَجرَ في الليلِ المُطبِق، ويَفلقُ الحَبَّ في القَشرةِ المُحكَمة، ويَفلقُ الرَّحِمَ في تَمامِ الحَملِ، ويَفلقُ كلَّ مَا أُريدَ أن يُغلَق. والسورةُ كلُّها مُتَوازنةٌ على فِعلٍ واحدٍ هو فِعلُه: شَقُّ المُغلَق.

والمُؤمنُ الذي يُلازِمُ هذه السورةَ صَباحاً ومَساءً يَتعلّمُ أنّ الإغلاقَ ليس له آخر، وأنّ كلَّ ليلٍ في حياتِه فيه خَيطٌ يَنفلقُ منه فجر.


حَصيلة

الشَّرُّ الثالثُ والأَخيرُ هو أَخفى الشُّرورِ الثَّلاثة، وهو نَفسٌ تَلتَفِتُ إلى نِعمةٍ في غَيرِها فيَحتَبِسُ في صَدرِها ضِدَّها أَلَمٌ ساكن، غَيرُ حالٍ يَستَوطِنُ كَالغاسق، وغَيرُ فِعلٍ يُمارَسُ بأَدَواتٍ كالنَّفثِ في العُقَد. والحَسَدُ في جذرِه (ح-س-د) لا يَقِفُ عند تَمَنّي زَوالِ النِّعمة: ح-س إحساسٌ نافِذٌ بدِقّة، ود احتِباسٌ يَتَثَبَّت. فالحاسدُ يَرى نِعمةَ الغَيرِ بوُضوح، ثُمّ يَحتَبِسُ هذا الإحساسُ في باطِنِه ويَأكُلُ صاحِبَه من داخل، فلا يَنفَلِتُ إلى فَرَحٍ ولا إلى دُعاء، ومن هنا كانَ الحاسدُ أَوّلَ ضَحايا حَسَدِه. ثُمّ يَأتي القَيدُ «إذا حَسَد»، فلم تُطلِقِ الآيةُ «من شَرِّ الحاسد»، وقَيَّدَت الضَّرَرَ بمَوضعِ الفِعل: الحاسدُ موجودٌ قَبل الفِعل، لكنَّه لا يُؤذي إلّا حين يُطلِقُ ما في صَدرِه ضِدَّ المَحسود. وفي هذا تَخفيفٌ، فالإنسانُ مَسؤولٌ عمّا يَفعَل، لا عمّا يُحاوِلُ كَتمَه. والقَوسانِ يَسُدّانِ البابَ من جِهَتَيه: الحاسدُ الذي يَستَعيذُ من حَسَدِه قَبل أن يَفعَلَ نَجا من شَرِّ نَفسِه، والمَحسودُ الذي يَستَعيذُ بربِّ الفَلَقِ مَنَعَ الفِعلَ من الوُصول. ويَكشِفُ القرآنُ مَوضعاً واضِحاً للحَسَد في البَقَرة: حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾، والحَسَدُ فيها خَرَجَ من باطنِهم ولم يَنزِل عليهم من خارج، والمُسَبِّبُ ظُهورُ النِّعمةِ لا خَفاؤُها. ولذلكَ خُتِمَت السورةُ بهذا الشَّرّ، لِأَنّه أَخفاها وأَكثَرُها تَلَبُّساً بالقَلب. وهي ثَلاثُ صُوَرٍ من الإغلاق: زَمَنٌ يَستَوطِن، وفِعلٌ يَحبِسُ القَصد، ونَفسٌ تَحبِسُ إحساسَها، ومَلجَأٌ واحدٌ يَفلِقُها كلَّها: ربُّ الفَلَق. والمُؤمنُ الذي يُلازِمُ هذه السورةَ صَباحاً ومَساءً يَتَعَلَّمُ أنّ الإغلاقَ ليس له آخر، وأنّ كلَّ لَيلٍ في حَياتِه فيه خَيطٌ يَنفَلِقُ منه فَجر.