الإسراء · الآية 40

﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا ۚ إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا ۚ إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا

«أَفَأَصْفَاكُمْ»: هَمزةٌ لا تَنتَظِرُ جَواباً

تَفتَتِحُ الآيةُ بِهَمزةٍ ثُمَّ فاءٍ ثُمَّ فِعل: أ، فَ، أصفى. والفاءُ تَعطِفُ على ما تَقَدَّم، والهَمزةُ تَتَقَدَّمُها فتَقَعُ على الرَّبطِ نَفسِه. فالسُّؤالُ لَيسَ «هَل فَعَل»، بل «أفيَكونُ هذا لازِماً عَمّا سُمِعَ الآن».

وهذا استِفهامٌ يُنكِرُ لا يَستَخبِر. لا يَطلُبُ عِلماً عِندَ المُخاطَبِ لِيَنقُلَه، بل يَعرِضُ القَولَ على قائِلِه لِيَراهُ مَعروضاً. ومَن سُئِلَ عن قَولِه بِهذه الصّيغةِ فقد رُدَّ قَولُه إليه قَبلَ أن يُجيب.

«أَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ»: عَطاءٌ يُنَقّى قَبلَ أن يُسَلَّم

«أصفى» على أفعَل من ص-ف-و. والصَّفوُ إمساكٌ يُفَرِّقُ ويُبعِدُ ثُمَّ يَصِلُ ما بَقِيَ بِصاحِبِه: تُنَحّى الشَّوائِبُ ويُسَلَّمُ الخالِص. فالمَعنى المَعروضُ لَيسَ مُجَرَّدَ إعطاء، بل غَربَلةٌ تَنتَهي بِتَسليمِ الصَّفوةِ إلى جِهةٍ واحِدة.

والباءُ في «بِالْبَنِينَ» باءُ ما وَقَعَ بِه الإصفاء. والبَنونَ (ب ن ي) من اتِّصالٍ مُمسِكٍ يَحوي ثُمَّ يَمتَدُّ سارِياً، فهو بِناءٌ يَتَّصِلُ ويَستَمِرّ. فالمَزعومُ أنَّ الجانِبَ المُنَقّى وُضِعَ في يَدِ المُخاطَبين.

«وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا»: الشَّطرُ الآخَرُ من القِسمةِ نَفسِها

يُعطَفُ الشَّطرُ الثّاني بِالواوِ فيَقِفُ إلى جانِبِ الأوَّلِ في جُملةٍ واحِدة. و«اتَّخَذَ» على افتَعَل، والافتِعالُ يَرُدُّ الفِعلَ إلى فاعِلِه، فالأخذُ (أ خ ذ) هُنا أخذٌ لِلنَّفس.

فالقَولُ المَعروضُ قِسمةٌ تامّة: جِهةٌ تَأخُذُ ما صُفِّيَ لَها، وجِهةٌ يُنسَبُ إليها ما أُخِذَ «مِنَ» غَيرِ ما صُفِّي. و«مِن» تَبعيضِيّة، فحَتّى المَأخوذُ بَعضٌ مُقتَطَع. والآيةُ لا تُناقِشُ الصِّنفَينِ المَذكورَين؛ تَعرِضُ القِسمةَ التي وَضَعَها القائِلُ ثُمَّ وَقَفَ فيها حَيثُ اختار. مَن قَسَمَ وأعطى نَفسَه الصَّفوَ فقد أفصَحَ عن مِيزانِه قَبلَ أن يُسأل.

«إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا»: وَزنُ القَولِ بِثِقَلِه

ثَلاثةُ مَشادِّ في جُملةٍ قَصيرة: «إنّ»، ولامُ التَّوكيدِ في «لَتَقولون»، ومَفعولٌ مُطلَقٌ يُؤَكِّدُ فِعلَه: «قَولاً». والفِعلُ مُضارِعٌ يَدُلُّ على تَجَدُّدٍ لا على مَرّةٍ واحِدة.

ثُمَّ يُوصَفُ القَولُ بِـ«عَظيم». والعَظمُ (ع ظ م) قَبضٌ مُطبِقٌ يُمسَكُ في الباطِن، وهو ما يَقومُ عَلَيه اللَّحمُ فيَحمِلُه. فالعَظيمُ ما في باطِنِه ما يَحمِلُ ثِقَلَه. ولم تَقُلِ الآيةُ «قَولاً كاذِباً» ولا «قَولاً باطِلاً»؛ قالَت «عَظيماً». لا يُقاسُ القَولُ هُنا بِصِدقِه، بل بِحَجمِه، ويُقاسُ القائِلُ بِما حَمَل.


حَصيلة

هَمزةٌ على فاءٍ تَضَعُ السُّؤالَ على الرَّبطِ لا على الخَبَر، فيُعرَضُ القَولُ على قائِلِه ويُرَدُّ إليه قَبلَ الجَواب. ثُمَّ يُنشَرُ القَولُ شَطرَين: «أَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ» غَربَلةٌ تُبعِدُ الشَّوبَ وتُسَلِّمُ الخالِصَ إلى جِهة، و«اتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا» أخذٌ يَرتَدُّ إلى آخِذِه، مُبَعَّضٌ بِـ«مِن». فالقِسمةُ كامِلةٌ في لَفظِها، وقد وَضَعَها قائِلُها ووَقَفَ فيها حَيثُ اختار. والآيةُ لا تُسَمّي القائِلينَ ولا تَصِفُ الصِّنفَين؛ تَكتَفي بِأن تُقيمَ الشَّطرَينِ مُتَجاوِرَين. ثُمَّ تُحكَمُ ثَلاثةُ مَشادَّ على جُملةٍ واحِدةٍ لِيُقالَ عن هذا كُلِّه إنَّه «قَوْلٌ عَظِيمٌ»: وَصفٌ بِالثِّقَلِ لا بِالكَذِب. فالمِيزانُ الذي وَضَعَه القائِلُ لِنَفسِه هو الذي يوضَعُ تَحتَ قَولِه.