طه · الآية 41

﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي

كَلِمَتانِ بَعدَ أطوَلِ آيةٍ في المَقطَع

جاءَتِ الآيةُ قَبلَها تِسعَ جُمَلٍ مُتَتابِعة، وجاءَت هذه كَلِمَتَين.

وهُما فِعلٌ ومَجرور، لا مَفعولَ ثانٍ مَعَهُما، ولا حالَ، ولا غايةَ سِوى ما في اللّام.

والواوُ تَعطِفُها على ما مَضى، فتَقَعُ آخِرَ التِّعدادِ كُلِّه، ويَكونُ آخِرُ ما يُذكَرُ في المِنَّةِ أقصَرَ ما فيها.

«اصْطَنَعْتُكَ»: الافتِعالُ يَرُدُّ الفِعلَ إلى فاعِلِه

والوَزنُ افتَعَلَ من ص-ن-ع، وقد أُبدِلَتِ التّاءُ طاءً لِمُجاوَرةِ الصّاد، فصارَ «اصتَنَع» «اصطَنَعَ».

وافتَعَلَ يَجعَلُ الفِعلَ مَأخوذاً لِلفاعِلِ نَفسِه، فهو صُنعٌ اتَّخَذَه صانِعُه لَه، ولا يَقِفُ عِندَ أنَّه صُنعٌ وَقَع.

والصُّنعُ في الجِذرِ إمساكٌ مُحكَمٌ يُخرِجُ ما أُمسِكَ عَمَلاً ظاهِراً، أي مُعالَجةٌ تُدارُ على الشَّيءِ حتّى يَستَوي، لا ضَربةٌ واحِدةٌ تَفرُغ.

فِعلٌ يَعودُ بَعدَ آيَتَينِ في صيغةٍ أُخرى

وقد جاءَ هذا الجِذرُ قَبلَ آيَتَين: وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾، وهو هُناكَ مَبنيٌّ لِلمَجهولِ حُذِفَ فاعِلُه، وهُنا مُسنَدٌ إلى تاءِ المُتَكَلِّم.

فما طُوِيَ في العِلّةِ يُنطَقُ بِه في الخَبَر، وقد فَصَلَت بَينَهُما آيةٌ كامِلةٌ جَرَت بِنونِ العَظَمة: رَجَعناكَ، نَجَّيناكَ، فَتَنّاك.

فالضَّمائِرُ في المَقطَعِ تَتَناوَب: تاءٌ مُفرَدةٌ في التّاسِعةِ والثَّلاثين، ونونُ عَظَمةٍ في الأربَعين، وتاءٌ مُفرَدةٌ في هذه.

ويُعرَفُ مَوضِعُ اشتِدادِ الخِطابِ بِالمَواضِعِ التي تَنفَرِدُ فيها التّاء.

«لِنَفْسِي»: لامٌ تُضيفُ ما صُنِعَ إلى صانِعِه

وقد أفادَ الافتِعالُ الاختِصاصَ في بِنيَتِه، ثُمَّ جاءَتِ اللّامُ فأفادَته ثانِيةً بِلَفظِها.

فهي صيغةٌ ثُمَّ حَرف، والمَعنى الواحِدُ يُقالُ مَرَّتَينِ بِطَريقَين، وهذا كُلُّ ما في الآية.

وقد جَرى في هذه السّورةِ لامٌ مِثلُها على مُضافٍ إلى ياءِ المُتَكَلِّم: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، فهُناكَ عُلِّقَ فِعلٌ بِذِكر، وهُنا عُلِّقَ مَصنوعٌ بِنَفس.

«نَفْسًا» ثُمَّ «نَفْسِي»

والكَلِمةُ نَفسُها كانَت في الآيةِ قَبلَها: وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾، نَكِرةً مَنصوبةً مَفعولاً بِه.

وهي هُنا مَعرِفةٌ مَجرورةٌ مُضافةٌ إلى ياءِ المُتَكَلِّم، فاللَّفظُ واحِدٌ في آيَتَينِ مُتَجاوِرَتَين، يَأتي مَرَّةً بِلا صاحِبٍ ومَرَّةً مَنسوباً.

وأصلُ ن-ف-س خُروجٌ من باطِنٍ في مَجرىً ضَيِّقٍ يَجري مُتَّصِلاً، ومِنه النَّفَسُ الذي يَتَرَدَّد، ومِنه النَّفسُ التي يَجري فيها.


حَصيلة

كَلِمَتانِ تَقَعانِ بَعدَ أطوَلِ آيةٍ في المَقطَع، ويَعطِفُهُما الواوُ على التِّعدادِ كُلِّه فتَكونانِ خِتامَه. و«اصْطَنَعْتُكَ» على وَزنِ افتَعَلَ من ص-ن-ع، والتّاءُ مُبدَلةٌ طاءً لِمُجاوَرةِ الصّاد، والوَزنُ يَجعَلُ الصُّنعَ مَأخوذاً لِصانِعِه، فَوقَ كَونِه واقِعاً، والجِذرُ إمساكٌ مُحكَمٌ يُخرِجُ ما أُمسِكَ عَمَلاً ظاهِراً بِمُعالَجةٍ لا بِدَفعة. وهو الجِذرُ الذي جاءَ قَبلَ آيَتَينِ مَبنِيّاً لِلمَجهولِ في «لِتُصْنَعَ»، فما حُذِفَ فاعِلُه هُناكَ يُنطَقُ بِه هُنا بِتاءِ المُتَكَلِّم، وبَينَهُما آيةٌ كامِلةٌ جَرَت بِنونِ العَظَمة. ثُمَّ تُعيدُ «لِنَفْسِي» بِالحَرفِ ما أفادَتْه الصّيغةُ بِبِنائِها، فيُقالُ الاختِصاصُ مَرَّتَينِ بِطَريقَين. و«نَفْس» هي كَلِمةُ الآيةِ قَبلَها نَكِرةً مَقتولةً، وهي هُنا مَعرِفةٌ مُضافةٌ إلى المُتَكَلِّم، فاللَّفظُ واحِدٌ في مَوضِعَينِ مُتَجاوِرَين، مَرَّةً بِلا صاحِبٍ ومَرَّةً مَنسوباً إلى مَن تَكَلَّم.