طه · الآية 82

﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ

«وَإِنِّي لَغَفَّارٌ»: الياءُ نَفسُها في آيَتَينِ مُتَتالِيَتَين

قيلَ في الآيةِ قَبلَها غَضَبِي﴾ مَرَّتَين، ويُقالُ هُنا «وَإِنِّي». مُتَكَلِّمٌ واحِدٌ لَم يَتَغَيَّر.

وتَوكيدٌ على تَوكيد: «إنَّ» ثُمَّ لامٌ داخِلةٌ على الخَبَر. وما بَينَ الآيَتَينِ حَرفُ عَطفٍ واحِد.

ولَم يُقَل «غافِر». قيلَ «غَفَّار» على وَزنٍ يُضاعِفُ عَينَ الفِعل. والوَزنُ يَقولُ عادةً لا واقِعةً واحِدة.

والغَفرُ من غ-ف-ر سَترٌ كَثيفٌ يَنفُذُ فيه المَستورُ ثُمَّ تُمسِكُه الرّاءُ فلا يَنكَشِف. ومنه «المِغفَر» لِما يُلبَسُ فيَستُرُ ويَقي ما يَقَعُ عَلَيه.

«لِّمَن تَابَ»: أوَّلُ الأربَعةِ رُجوع

اللّامُ لامُ الاختِصاصِ كَما كانَت في الآيَتَينِ الأُولَيَينِ من هذه العَناقيد. المَغفِرةُ مُعَلَّقةٌ بِمَن لا بِشَيء.

والتَّوبُ من ت-و-ب لِقاءٌ دَقيقٌ يوصَلُ بِما قَبلَه ثُمَّ يُتَمَسَّكُ بِالوَصل. فهو رُجوعٌ يَبلُغُ الأصلَ ويَلزَمُه.

وجاءَ أوَّلاً. قَبلَ الأمانِ وقَبلَ العَمَلِ وقَبلَ الاهتِداء.

«وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا»: واوانِ لا تُرَتِّبان

عُطِفَ الثّاني والثّالِثُ بِالواو. والواوُ في هذا البابِ تَجمَعُ ولا تُرَتِّب: تَقولُ إنَّ الثَّلاثةَ وَقَعَت، ولا تَقولُ أيُّها قَبلَ أيّ.

و«صَالِحًا» مُفرَدٌ مُنَكَّر. وقَد قيلَ في هذا العُنقودِ الصَّالِحَاتِ﴾ جَمعاً مُعَرَّفاً. هُناكَ سِجِلٌّ مَفروغٌ منه قَبلَ المَجيء، وهُنا واحِدٌ يَكفي في الشَّرط.

فثَلاثةٌ مَجموعةٌ بِلا تَرتيب: رُجوعٌ وأمانٌ وعَمَل. حَبلٌ واحِدٌ من ثَلاثِ طاقات.

«ثُمَّ اهْتَدَىٰ»: حَرفٌ رابِعٌ يُغَيِّرُ الرُّتبة

لَم يُعطَفِ الرّابِعُ بِواوٍ كَإخوَتِه. عُطِفَ بِـ«ثُمَّ»، وهي تُفيدُ التَّرتيبَ مَعَ المُهلة.

فَخَرَجَ الرّابِعُ من جُملةِ المَجموعِ ووُضِعَ بَعدَها. لَو أُريدَ ضَمُّه إلَيها لَاستَقامَ فيه ما استَقامَ في أخَوَيه.

و«اهْتَدَىٰ» على وَزنِ افتَعَلَ، وهو وَزنٌ يَجعَلُ الفاعِلَ آخِذاً لِلفِعلِ لا مَدفوعاً إلَيه. لَم يُقَل «ثُمَّ هُدِيَ» ولا «ثُمَّ هَداهُ».

وقَد وَرَدَ المُجَرَّدُ من هذا الجَذرِ في هذا العُنقودِ مَنفِيّاً: وَمَا هَدَىٰ﴾. فبَينَ الآيَتَينِ ثَلاثُ آيات، وفيهِما الجَذرُ نَفسُه: مُجَرَّدٌ يُنفى عن رَجُلٍ أضَلَّ قَومَه، ومَبنِيٌّ على الافتِعالِ يُشتَرَطُ على مَن رَجَعَ وآمَنَ وعَمِل.

وآخِرُ كَلِمةٍ في هذه السّورةِ من هذا الوَزنِ بِعَينِه: وَمَنِ اهْتَدَىٰ﴾. فما جُعِلَ هُنا رابِعاً بَعدَ ثَلاثةٍ هو ما تُختَمُ بِه السّورةُ كُلُّها.

فالاهتِداءُ في هذا التَّركيبِ لَيسَ بابَ الدُّخول. هو ما يُبلَغُ بَعدَ أن يُرجَعَ ويُؤمَنَ ويُعمَل، وحَرفٌ واحِدٌ يَقولُ ذلك.


حَصيلة

ياءُ المُتَكَلِّمِ نَفسُها التي حَمَلَت الغَضَبَ مَرَّتَينِ في الآيةِ قَبلَها تَحمِلُ هُنا «إِنِّي»، وبَينَهُما حَرفُ عَطفٍ واحِد. وتَوكيدٌ على تَوكيد: «إنَّ» ثُمَّ لامٌ في الخَبَر. ولَم يُقَل «غافِر» بَل «غَفَّار» على وَزنٍ يُضاعِفُ عَينَ الفِعلِ فيُفيدُ العادةَ لا الواقِعةَ الواحِدة، والغَفرُ من غ-ف-ر سَترٌ كَثيفٌ تُمسِكُه الرّاءُ فلا يَنكَشِف. واللّامُ لامُ اختِصاصٍ عُلِّقَت بِمَن لا بِشَيء. وأوَّلُ الأربَعةِ رُجوعٌ: التَّوبُ من ت-و-ب لِقاءٌ يوصَلُ بِالأصلِ ثُمَّ يُتَمَسَّكُ بِه. ثُمَّ اثنانِ بِالواوِ التي تَجمَعُ ولا تُرَتِّب، و«صَالِحًا» مُفرَدٌ مُنَكَّرٌ بِإزاءِ الجَمعِ المُعَرَّفِ الذي وَرَدَ في هذا العُنقودِ سِجِلّاً مَفروغاً منه. فثَلاثةٌ في حُزمةٍ واحِدةٍ بِلا رُتبة. ثُمَّ يَخرُجُ الرّابِعُ من الحُزمةِ بِحَرفٍ آخَر: «ثُمَّ» تُفيدُ التَّرتيبَ مَعَ المُهلة، و«اهْتَدَىٰ» على وَزنِ افتَعَلَ الذي يَجعَلُ الفاعِلَ آخِذاً لا مَدفوعاً. والجَذرُ نَفسُه مُجَرَّداً نُفِيَ قَبلَ ثَلاثِ آياتٍ عَمَّن أضَلَّ قَومَه، وبِهذا الوَزنِ بِعَينِه تُختَمُ السّورةُ كُلُّها. فالاهتِداءُ هُنا لَيسَ بابَ الدُّخول، بَل ما يُبلَغُ بَعدَ الثَّلاثة، وحَرفٌ واحِدٌ هو الذي قالَ ذلك.