طه · الآية 84

﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ

«هُمْ أُولَاءِ»: يَبدَأُ بِمَن سُئِلَ عَنهُم لا بِما سُئِلَ عنه

كانَ السُّؤالُ عَنِ الحامِلِ على العَجَلة، وأوَّلُ ما في الجَوابِ ضَميرُ جَماعةٍ واسمُ إشارةٍ لِلقَريب.

فقَدَّمَ خَبَرَ المَتروكينَ على خَبَرِ نَفسِه، وهُم لَم يُسأَلْ عَنهُم، وقد ذُكِروا في السُّؤالِ ظَرفاً لِلعَجَلة: وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ﴾.

و«أُولَاءِ» إشارةٌ إلى قَريب، فيُشارُ إلَيهِم كَأنَّهُم بِمَرأى، والكَلامُ دَلالةٌ على حاضِر، غَيرُ خَبَرٍ عن غائِب.

«عَلَىٰ أَثَرِي»: حَرفُ استِعلاءٍ لا حَرفُ خَلف

وأوثِرَ «عَلَىٰ أَثَرِي» على «خَلفي» و«مَعي» و«يَتبَعوني»، فالمَذكورُ ما تُرِك، دونَ مَن تَرَك.

والأثَرُ من أ-ث-ر، وهو ما انطَبَعَ دَقيقاً فأمسَكَه المَوضِعُ بَعدَ ذَهابِ صاحِبِه، فهو باقٍ في الأرضِ والسّائِرُ قَد مَضى.

و«على» تَجعَلُهُم فَوقَه سائِرينَ بِه، فالذي تَقَدَّمَ تَرَكَ لَهُم ما يَمشونَ عَلَيه، ولَم يَقطَعْ ما بَينَه وبَينَهُم، وهذا هو جَوابُ التُّهمةِ التي لَم تُقَل.

وتَعودُ هذه الكَلِمةُ في هذه السّورةِ في فَمٍ آخَرَ وبِمَعنىً آخَر: مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾، فهُنا أثَرٌ يُترَكُ لِيُمشى عَلَيه، وهُناكَ أثَرٌ يُقبَضُ مِنه قَبضة، واللَّفظُ واحِدٌ يوطَأُ في مَوضِعٍ ويُؤخَذُ في مَوضِع.

«وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ»: يَرُدُّ الوَزنَ إلى المُجَرَّدِ فيَحمِلُ العِلّة

وكانَ السُّؤالُ بِوَزنِ أفعَلَ: «أَعْجَلَكَ»، وهو يَطلُبُ فاعِلاً غَيرَ المَسؤول، وجاءَ الجَوابُ بِالمُجَرَّد: «عَجِلْتُ».

فلَم يُسَمِّ ما حَمَلَه، وقد أُتيحَ لَه أن يَنسِبَ الفِعلَ إلى سِواه فلَم يَفعَل، ونَسَبَه إلى تاءِ المُتَكَلِّم، فسُئِلَ عن دافِعٍ وأجابَ بِفاعِل.

و«إِلَيْكَ» في مُقابَلةِ «عَن قَوْمِكَ»، فحَرفُ ابتِعادٍ في السُّؤالِ وحَرفُ انتِهاءٍ في الجَواب، ولمّا ذُكِرَ الوَراءُ ذُكِرَ الأمام.

«رَبِّ»: نِداءٌ يُقابِلُ نِداءً

خُتِمَ السُّؤالُ بِنِداءِ اسمِه، ويَتَوَسَّطُ الجَوابَ نِداءُ رَبِّه، فالمُنادى في آخِرِ الجُملةِ هُناكَ، وفي وَسَطِها هُنا.

وحُذِفَت ياءُ المُتَكَلِّمِ من «رَبِّ»، وعُدِلَ عن «يا رَبّي»، واكتُفِيَ بِالكَسرةِ دَليلاً عَلَيها، وحُذِفَ حَرفُ النِّداءِ أيضاً.

«لِتَرْضَىٰ»: عِلّةٌ لَم يَطلُبْها السُّؤال

سُئِلَ عن حامِلٍ فذَكَرَ أينَ قَومُه، ثُمَّ أثبَتَ الفِعلَ لِنَفسِه، ثُمَّ زادَ لاماً وفِعلاً، فهي ثَلاثةٌ في جَوابِ سُؤالٍ واحِد.

واللّامُ لِلتَّعليل، فالزّائِدُ غايةٌ تُذكَرُ ابتِداءً، وليسَ وَصفاً ولا اعتِذاراً.

وفاعِلُ «تَرْضَىٰ» هو المُخاطَب، وليسَ المُتَكَلِّم، وقد عُدِلَ عن «لِأرضى» و«لِتَرضى عَنّي»، فجُعِلَتِ الغايةُ رِضاً يَقَعُ من المَسؤولِ عَنه، دونَ حالٍ تَحصُلُ لِلسّائِلِ إلَيه.

والرِّضا من ر-ض-ي، ومَعناه لَمسةٌ لَطيفةٌ تَنفَرِجُ وتَنبَسِطُ ثُمَّ تَسري، فهو انبِساطٌ يَستَقِرّ، غَيرُ مُوافَقةٍ عابِرة.

ومَن سُئِلَ فأجابَ ثُمَّ زادَ فقَد أعطى ما لَم يُطلَبْ مِنه، والزِّيادةُ هي مَوضِعُ القِراءةِ في هذه الآية، كَما كانَتِ الزِّيادةُ مَوضِعَ القِراءةِ في جَوابِ السُّؤالِ الأوَّلِ عن يَمينِه.


حَصيلة

سُئِلَ عَنِ الحامِلِ على العَجَلةِ فبَدَأَ بِمَن لَم يُسأَلْ عَنهُم: ضَميرُ جَماعةٍ واسمُ إشارةٍ لِلقَريب، فأُشيرَ إلَيهِم كَأنَّهُم بِمَرأى. وأوثِرَ «عَلَىٰ أَثَرِي» على «خَلفي» و«مَعي»، فالمَذكورُ ما تُرِكَ دونَ مَن تَرَك، والأثَرُ من أ-ث-ر ما انطَبَعَ فأمسَكَه المَوضِعُ بَعدَ ذَهابِ صاحِبِه، وحَرفُ الاستِعلاءِ يَجعَلُهُم ماشينَ عَلَيه. وتَعودُ الكَلِمةُ في هذه السّورةِ في فَمٍ آخَرَ بِمَعنىً آخَر: أثَرٌ يوطَأُ هُنا، وأثَرٌ تُقبَضُ مِنه قَبضةٌ هُناك. ثُمَّ يَرُدُّ الفِعلَ إلى المُجَرَّدِ بَعدَ أن سُئِلَ عَنه بِوَزنِ أفعَلَ، فقد أُتيحَ لَه أن يَنسِبَ الحَملَ إلى غَيرِه فنَسَبَ الفِعلَ إلى نَفسِه. و«إِلَيْكَ» في مُقابَلةِ «عَن قَوْمِكَ»: ابتِعادٌ في السُّؤالِ وانتِهاءٌ في الجَواب، ولمّا ذُكِرَ الوَراءُ ذُكِرَ الأمام. ونِداءٌ في وَسَطِ الجَوابِ يُقابِلُ نِداءً في آخِرِ السُّؤال، وقد حُذِفَ حَرفُ النِّداءِ وياءُ الإضافةِ مَعاً. ثُمَّ لامُ تَعليلٍ وفِعلٌ فاعِلُه المُخاطَبُ دونَ المُتَكَلِّم، وقد عُدِلَ عن «لِأرضى». والرِّضا من ر-ض-ي انبِساطٌ لَطيفٌ يَسري ويَستَقِرّ. فهو سُؤالٌ واحِدٌ وجَوابٌ من ثَلاثِ جُمَل، وآخِرُها لَم يُطلَب.