النبأ · الآية 5

﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ

«ثُمَّ»: مَسافةٌ بَينَ عِلمٍ وعِلم

لم تُعطَفِ الآيةُ بِالواو. جاءَت بِـ«ثُمَّ»، والفَرقُ بَينَهُما كُلُّ شَيءٍ هنا. الواوُ تَجمَعُ في نَسَقٍ واحِد، و«ثُمَّ» تُرَتِّبُ وتَترُكُ بَينَ المُرَتَّبَينِ مُهلة.

فما تَكَرَّرَ عِبارَتانِ في نَفَسٍ واحِد. عِلمٌ ثُمَّ مُهلةٌ ثُمَّ عِلم. والمُهلةُ هي الكَلِمةُ الوَحيدةُ الجَديدةُ في الآية، وهي التي تَحمِلُ مَعناها.

ومَن قَرَأَ التَّكرارَ تَشديداً وَحدَه فاتَه أنَّ الحَرفَ يَقولُ غَيرَ ذلك. لَيسَ صَوتاً رُفِعَ مَرَّتَين، بَل دَرَجَتانِ بَينَهُما مَدىً.

«كَلَّا سَيَعْلَمُونَ» ثانِيَةً: اللَّفظُ هو هو، والمَوضِعُ غَيرُه

تَعودُ الجُملةُ بِحُروفِها لا يَنقُصُ مِنها شَيء. لَكِنَّها في الأُولى كانَت أوَّلَ ما وَقَعَ على الدَّوَران، وهي في الثّانِيةِ واقِعةٌ بَعدَ مُهلة. والكَفُّ الذي يُعادُ بَعدَ فَترةٍ يُخبِرُ عن حَرَكةٍ عادَت.

وهذا مِمّا تَقولُه الصّيغةُ نَفسُها. لَو كَفَّتِ «كَلَّا» الأُولى الدَّوَرانَ كَفّاً تامّاً لَما احتيجَ إلى الثّانِية. فوُرودُها مَرَّتَينِ بَينَهُما «ثُمَّ» يَرسُمُ ما يَجري: يَقِفونَ ثُمَّ يَعودونَ إلى حَلقَتِهِم، فيُوقَفونَ ثانِيَة.

والعِلمُ الثّاني عِلمٌ آخَرُ لا إعادةُ الأوَّل. الجِذرُ ع-ل-م ما يَطلُعُ من العُمقِ ثُمَّ يَنضَمُّ في صورةٍ يُمَيَّزُ بِها، وما يَنضَمُّ مَرَّتَينِ لَيسَ صورةً واحِدةً رُئِيَت مَرَّتَين. عِلمٌ يَرِدُ عَلَيهِم، ثُمَّ عِلمٌ آخَرُ بَعدَ مَداهُ.

الخِتامُ يُسمَعُ مَرَّتَين، ثُمَّ يَنقَلِبُ الصَّوت

أربَعٌ من آياتِ المَطلَعِ الخَمسِ تُختَمُ بِالواوِ والنّون: يَتَسَاءَلُونَ﴾، مُخْتَلِفُونَ﴾، «سَيَعْلَمُونَ»، «سَيَعْلَمُونَ». والكَلِمةُ الخاتِمةُ تُسمَعُ مَرَّتَين: مَرّةً مَعنىً ومَرّةً وَقعاً. فالأُذُنُ تَستَقبِلُ تَكراراً بَينَما المَعنى يَتَقَدَّمُ دَرَجة.

ثُمَّ يَنقَطِعُ هذا الصَّوتُ دَفعةً واحِدة. ما يَلي هذه الآيةَ يُختَمُ بِأَلِفٍ مُنَوَّنة: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾. تَنقَلِبُ الفاصِلةُ لِأنَّ المَوضوعَ انقَلَب.

وانظُرْ إلى مَوضِعِ الانقِلاب. وُعِدوا بِالعِلمِ مَرَّتَين، ثُمَّ لم يُوصَفْ لَهُمُ اليَومُ المَوعود. أُشيرَ إلى الأرضِ تَحتَ أقدامِهِم. مَن لم يَقرَأْ ما تَحتَ قَدَمِه لا يُقنِعُه وَصفُ ما بَعدَ مَوتِه.


حَصيلة

العَطفُ بِـ«ثُمَّ» لا بِالواو، فالكَلِمةُ الوَحيدةُ الجَديدةُ في الآيةِ هي التي تَحمِلُ مَعناها: مُهلةٌ بَينَ دَرَجَتَين، لا تَشديدٌ في نَفَسٍ واحِد. ثُمَّ تَعودُ الجُملةُ بِحُروفِها فتَختَلِفُ بِمَوضِعِها: كَفٌّ يُعادُ بَعدَ فَترةٍ يُخبِرُ عن حَرَكةٍ عادَت، والعِلمُ الثّاني صورةٌ ثانِيةٌ تَنضَمُّ لا الأُولى تُرى مَرَّةً أُخرى. وفي الخِتامِ تَعمَلُ الفاصِلة: أربَعٌ من خَمسٍ تُختَمُ بِالواوِ والنّون، فتَسمَعُ الأُذُنُ تَكراراً والمَعنى يَتَقَدَّم، ثُمَّ يَنقَطِعُ الصَّوتُ إلى أَلِفٍ مُنَوَّنةٍ حينَ يَنقَلِبُ المَوضوع. ووَعدُ العِلمِ لا يُتبَعُ بِوَصفِ اليَومِ المَوعود، بَل بِسُؤالٍ عن الأرضِ تَحتَ الأقدام.