النبأ · الآية 4

﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كَلَّا سَيَعْلَمُونَ

«كَلَّا»: كَفٌّ يَقَعُ عَلى الحَرَكةِ قَبلَ أن يُقالَ خَبَرٌ جَديد

لم تُنقَلْ لَهُم مَقالة. لم تُحكَ عَنهُم دَعوى. ومَعَ ذلك تَنزِلُ «كَلَّا» في أوَّلِ الجَواب. فما الذي رُدَّ إن لم يُذكَرْ قَولٌ يُرَدّ؟

رُدَّتِ الحَرَكةُ نَفسُها. ثَلاثُ آياتٍ وَصَفَت دَوَراناً: سُؤالٌ يَدورُ في حَلقة، وثِقَلٌ لا تُرى حافَّتُه، ووُقوفٌ يُدبِرُ فيه كُلٌّ عن صاحِبِه. فجاءَتِ الكَلِمةُ لا تُناقِشُ طَرَفاً مِنهُم، بَل تَضَعُ اليَدَ عَلى الدَّوَرانِ كُلِّه.

ومَوضِعُها قَبلَ الخَبَرِ لا بَعدَه. تُكَفُّ الحَرَكةُ أوَّلاً، ثُمَّ يُقالُ ما يُقال. مَن أرادَ أن يُسمِعَ قَوماً في ضَجيجٍ بَدَأَ بِإسكاتِ الضَّجيجِ لا بِرَفعِ صَوتِه.

«سَيَعْلَمُونَ»: وَعدٌ بِعِلمٍ لم يُذكَرْ مَعلومُه

فِعلٌ بِلا مَفعول. سَيَعلَمونَ ماذا؟ لا تَقولُ الآية. وهذا رابِعُ مَوضِعٍ في أربَعِ آياتٍ يُنتَظَرُ فيه التَّعيينُ فيُمسَكُ عَنه.

لكِنَّ الإمساكَ هنا من نَوعٍ آخَر. كانَ المَمسوكُ قَبلُ هُوِيّةَ النَّبَإ، وصارَ الآنَ مادّةَ العِلم. والأمرانِ واحِدٌ في الحَقيقة: ما سَيَعلَمونَه هو ما لم يُسَمَّ لَهُم، ولا يُسَمّى قَبلَ أن يُعلَم.

والجِذرُ ع-ل-م ما يَطلُعُ من العُمقِ فيَمتَدُّ ثُمَّ يَنضَمُّ في صورةٍ يُمَيَّزُ بِها، ومنه العَلامةُ والعَلَمُ في الطَّريق. فالعِلمُ وَسمٌ يَقَعُ في النَّفسِ فتُفَرِّقُ بِه بَينَ شَيءٍ وشَيء. وقد وُصِفَ النَّبَأُ بِأنَّ حَدَّه مَحجوب، فالوَعدُ إذَن أن تَظهَرَ لَه حافّةٌ فيهِم أنفُسِهِم.

والسِّينُ في صَدرِ الفِعلِ تُقَرِّبُ ولا تُبعِد. ولَيسَ العِلمُ المَوعودُ مَعرِفةً تُضافُ إلى مَعارِفِهِم: هو زَوالُ الحالِ التي وُصِفوا بِها. مَن رَأى العَلامةَ لم يَبقَ مُختَلِفاً فيها.

ثُمَّ إنَّ الفاعِلَ لم يَتَغَيَّرْ مُنذُ أوَّلِ السّورة. الذينَ كانوا يَتَساءَلونَ هُمُ الذينَ سَيَعلَمون. لا يُؤتى بِقَومٍ آخَرينَ لِيَعلَموا مَكانَهُم: الحَلقةُ نَفسُها هي التي يُنتَظَرُ أن تَنفَتِح.

وتَعودُ الجُملةُ كما هي في ما يَلي: ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾. فما سُمِعَ الآنَ لَيسَ تَمامَ ما يُقال.


حَصيلة

لا مَقالةَ نُقِلَت عَنهُم، ومَعَ ذلك تَنزِلُ «كَلَّا» أوَّلاً: المَردودُ هو الدَّوَرانُ الذي وَصَفَته الآياتُ الثَّلاث، لا قَولٌ بِعَينِه. ومَوضِعُها قَبلَ الخَبَرِ يَجعَلُها كَفّاً يُهَيِّئُ لِلسَّماعِ لا رَدّاً يُخاصِم. ثُمَّ «سَيَعْلَمُونَ» بِلا مَفعول، رابِعُ إمساكٍ في أربَعِ آيات، والمَمسوكُ هذه المَرّةَ مادّةُ العِلمِ لا اسمُ النَّبَإ. والجِذرُ ع-ل-م ما يَطلُعُ من العُمقِ فيَنضَمُّ في صورةٍ يُمَيَّزُ بِها، فالوَعدُ أن تَظهَرَ حافّةٌ لِما قيلَ إنَّ حَدَّه مَحجوب، وأن تَظهَرَ فيهِم هُم. والسِّينُ تُقَرِّبُ الوَعدَ ولا تُرجِئُه، والفاعِلُ لم يَتَبَدَّلْ مُنذُ يَتَسَاءَلُونَ﴾. الآيةُ لا تُجيبُ السُّؤال؛ تَعِدُ بِيَومٍ يَسقُطُ فيه السُّؤالُ من نَفسِه.