النبأ · الآية 6

﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا

«أَلَمْ»: السُّؤالُ يَرتَدُّ عَلى السّائِلين

افتُتِحَتِ السّورةُ بِقَومٍ يَتَساءَلون، وها هُم يُسأَلون، ولم يَتَغَيَّرْ إلّا مَوقِعُهُم من السُّؤال، فقد كانوا في طَرَفِ الطّالِب، فصاروا في طَرَفِ المَطلوبِ مِنه.

وشَتّانَ بَينَ السُّؤالَين، فالأوَّلُ لا مَفعولَ لَه ولا مُجيبَ فيه، وهذا لا يَقبَلُ إلّا جَواباً واحِداً، وجَوابُه تَحتَ قَدَمِ المَسؤول. والهَمزةُ فيه داخِلةٌ على النَّفي، فيَخرُجُ الإثباتُ في صورةِ سُؤال.

وهذه صَنعةٌ في الخِطاب، إذ عُدِلَ عن أن يُقالَ لَهُم «جَعَلنا» إلى استِخراجِ الإقرارِ مِنهُم، ومَن أُلزِمَ أن يَقولَ «بَلى» فقد شَهِدَ بِلِسانِه، والشَّهادةُ التي يَنطِقُ بِها الخَصمُ أثبَتُ من الخَبَرِ يُلقى عَلَيه.

«نَجْعَلِ»: أوَّلُ مُتَكَلِّمٍ في السّورة، وفِعلٌ يَضَعُ ولا يُنشِئ

ومَضَت خَمسُ آياتٍ ولا مُتَكَلِّمَ فيها يُسَمّي نَفسَه، ومن هذه الكَلِمةِ تَدخُلُ نونُ المُتَكَلِّمِ فلا تَخرُجُ حتّى تَنتَهيَ قائِمةُ الصُّنعِ كُلُّها.

والجِذرُ ج-ع-ل إمساكٌ في جَوفٍ ثُمَّ إبرازٌ لِلمُمسَكِ وإلحاقُه بِحَيِّزٍ يَلزَمُه، فالجَعلُ أخذُ قائِمٍ وإنزالُه مَنزِلةً لَيسَت هي ذاتَه، وهو غَيرُ إنشاءِ الشَّيءِ من لا شَيء.

ولِذلك تَذكُرُ الآيةُ أنَّ الأرضَ أُنزِلَت مَنزِلة، ولا تَقولُ إنَّها أُوجِدَت هنا، فالمَسؤولُ عَنه وَظيفةٌ لا مادّة، أي ما الذي جُعِلَت لَه هذه القاعِدةُ تَحتَكُم.

«الْأَرْضَ مِهَادًا»: أثقَلُ ما تَحتَهُم يُسَمّى بِأَليَنِ ما يُوضَعُ تَحتَ بَدَن

والجِذرُ أ-ر-ض انبِثاقٌ يَجري مُستَرسِلاً ثُمَّ يُضَمُّ بِثِقَلٍ فيَستَقِرّ، فالأرضُ في بِنيَتِها هي الحامِلةُ التي توضَعُ عَلَيها الأثقالُ ولا توضَعُ هي على شَيء.

ثُمَّ يُقالُ عَنها «مِهَادًا»، والجِذرُ م-ه-د احتِواءٌ يَرِقُّ حتّى يَلينَ ثُمَّ يُثَبَّتُ لِيَحمِلَ ما يوضَعُ عَلَيه، ومِنه المَهدُ لِمَضجَعِ الرَّضيع، والتَّمهيدُ لِتَسوِيةِ ما يوطَأ، فالرِّقّةُ داخِلةٌ في الكَلِمة، ولَولاها لَما صَحَّ أن يُسَمّى بِها مَوضِعُ مَن لا يَقومُ بِنَفسِه.

وفي هذا مُقابَلة، إذ يُسَمّى أصلَبُ ما يَعرِفونَه وأثبَتُه بِاللَّفظِ المَوضوعِ لِأَلينِ ما يُبسَطُ تَحتَ بَدَن، وأوثِرَ «مِهَادًا» على «قَراراً» و«بِناءً»، والكَلِمةُ تَختارُ نَفسَها.

والمِهادُ لا يوصَفُ بِه المَوضِعُ وَحدَه، إذ يَدُلُّ على شَيءٍ فيمَن يوضَعُ عَلَيه، فهو يُمَهَّدُ لِمَن لا يُمسِكُ نَفسَه. ولِذلك كانَ الجَوابُ المُنتَزَعُ من المَسؤولِ أعمَقَ مِمّا ظَنَّ حينَ قالَ «بَلى»، فقد أقَرَّ بِأنَّ تَحتَه وِطاءً هُيِّئَ لَه، وأقَرَّ ضِمناً بِأنَّه مِمَّن يُهَيَّأُ لَه.

وهذه أوَّلُ زَوجَينِ في القائِمة، وتَتِمُّ بِما بَعدَها: وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾، إذ اللَّيِّنُ تَحتَ الجَنبِ لا يَنفَعُ إن كانَ يَنزاح.


حَصيلة

والمَعنى أنَّ مَوقِعَ القَومِ من السُّؤالِ يَنقَلِب، فقد كانوا يَتَساءَلونَ فأصبَحوا يُسأَلون، وهذا سُؤالٌ لا يَقبَلُ إلّا «بَلى»، وجَوابُه تَحتَ قَدَمِ المَسؤول. ثُمَّ تَدخُلُ نونُ المُتَكَلِّمِ لِأوَّلِ مَرّةٍ في السّورةِ ولا تَخرُجُ حتّى تَتِمَّ القائِمة. و«نَجْعَلِ» من ج-ع-ل، وهو إبرازُ ما أُمسِكَ وإلحاقُه بِحَيِّزٍ يَلزَمُه، فالمَسؤولُ عَنه مَنزِلةٌ لا مادّة. و«الْأَرْضَ» من أ-ر-ض، وهي قاعِدةٌ تَجري ثُمَّ تُضَمُّ بِثِقَلٍ فتَستَقِرّ، فهي الحامِلةُ لا المَحمولة. ثُمَّ تُسَمّى «مِهَادًا» من م-ه-د، وهو احتِواءٌ يَرِقُّ حتّى يَلينَ ثُمَّ يُثَبَّتُ لِيَحمِلَ ما يوضَعُ عَلَيه، وهو اللَّفظُ المَوضوعُ لِمَضجَعِ مَن لا يُمسِكُ نَفسَه. فأصلَبُ ما تَحتَهُم يُسَمّى بِأَلينِ ما يُبسَطُ تَحتَ بَدَن، ومَن أقَرَّ بِأنَّ لَه مِهاداً فقد أقَرَّ بِأنَّه مِمَّن يُمَهَّدُ لَه.