النبأ · الآية 7

﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا

«وَالْجِبَالَ»: الفِعلُ لا يُعادُ، فالوَضعانِ وَضعٌ واحِد

لم يَتَكَرَّرِ الفِعلُ هنا، فقد عُدِلَ عن «ألَم نَجعَلِ الجِبالَ» إلى حَملِ الاسمِ على ما قَبلَه بِواوٍ واحِدة، فالمِهادُ والأوتادُ داخِلانِ تَحتَ جَعلٍ واحِد، لا نِعمَتانِ عُدَّتا في نَسَق.

والجِذرُ ج-ب-ل تَكَتُّلٌ يَلتَصِقُ بِمَوضِعِه ثُمَّ يَمتَدُّ فيه، ومِنه «جُبِلَ عَلى كذا» أي رُكِّبَ عَلَيه تَركيباً لا يُفارِقُه، فاللُّزومُ في الكَلِمةِ قَبلَ أن يُقالَ عَنها شَيء.

ومَعَ ذلك لم تُترَكِ الكَلِمةُ عِندَ لُزومِها، إذ أُتبِعَت بِوَصفٍ يَنقُلُها من الثُّبوتِ إلى الوَظيفة، فالمَقصودُ ما تُمسِكُه بِثَباتِها، ولم يُقصَدْ أنَّها ثابِتة.

«أَوْتَادًا»: كَلِمةٌ لا تَقومُ بِنَفسِها

والجِذرُ و-ت-د وَصلٌ يَتِمُّ بِدَفعٍ نافِذٍ يَثبُتُ في مَوضِعِه، والوَتَدُ خَشَبةٌ تُقرَعُ حتّى تَغيبَ في الأرض، فالنَّظَرُ إلى ما شُدَّ إلَيها، ولا يُنظَرُ إلَيها لِذاتِها قَطّ.

فالكَلِمةُ نِسبةٌ قَبلَ أن تَكونَ ذاتاً، إذ لا مَعنى لِوَتَدٍ في أرضٍ خالِيةٍ لا يُشَدُّ إلَيه شَيء. وتَسمِيةُ الجِبالِ أوتاداً وَصفٌ لَها بِأنَّها في خِدمةِ غَيرِها، وهي أضخَمُ ما يَقَعُ عَلَيه البَصَر.

ثُمَّ لم يُذكَرِ المَشدود، فالآيةُ تَقولُ «أَوْتَادًا» وتَسكُتُ عَمّا يُمسِكُه الوَتَد، والطَّرَفُ الآخَرُ مَتروكٌ كما تُرِكَ اسمُ النَّبَإِ وكما تُرِكَ مَفعولُ العِلم، والسّورةُ تُعطي الوَظيفةَ وتُمسِكُ عن تَسمِيةِ ما تُؤَدّى لَه.

«أَوْتَادًا» مَعَ ما قَبلَها: لَيِّنٌ يُوطَأُ وثابِتٌ يَمنَعُ الانزِياح

والكَلِمَتانِ من مَجلِسٍ واحِد، شَيءٌ يُبسَطُ وشَيءٌ يُغرَز، ولا يَستَقيمُ أحَدُهُما بِغَيرِ صاحِبِه، فالوِطاءُ بِلا ما يُثَبِّتُه يَنسَحِبُ من تَحتِ صاحِبِه، والوَتَدُ في أرضٍ بِلا وِطاءٍ لا يُنامُ عَلَيه.

فالوَصفانِ وَصفٌ واحِدٌ لِحالٍ واحِدة، وهي مَوضِعٌ يُمكِنُ أن يُضطَجَعَ فيه ولا يَنزاح، وهذا هو الذي سُئِلوا عَنه، لا الجِبالُ وَحدَها ولا الأرضُ وَحدَها.

ولِلسّورةِ عَودةٌ إلى هذه الكَلِمةِ بِعَينِها في مَوضِعٍ آخَر: وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾، فما سُمِّيَ وَتَداً يُسَيَّرُ فيَصيرُ ما يُرى ولا يوجَد. والثَّباتُ الذي وُصِفَت بِه جَعلٌ لا طَبع، والوَتَدُ يُمسِكُ ما دامَ مَغروزاً، ومَن غَرَزَه يَملِكُ نَزعَه.


حَصيلة

والفِعلُ لا يُعادُ في الآية، فيَبقى الجَعلُ واحِداً يَشمَلُ الطَّرَفَين. و«الْجِبَالَ» من ج-ب-ل، وهو تَكَتُّلٌ يَلتَصِقُ بِمَوضِعِه ويَمتَدُّ فيه، فاللُّزومُ في الجِذرِ قَبلَ الوَصف. ثُمَّ يُنقَلُ اللُّزومُ إلى وَظيفةٍ بِـ«أَوْتَادًا»، ومادّةُ و-ت-د وَصلٌ يَتِمُّ بِدَفعٍ نافِذٍ يَثبُت. والوَتَدُ يُعرَفُ بِما يُشَدُّ إلَيه دونَ ذاتِه، فالكَلِمةُ نِسبةٌ لا ذات، وأضخَمُ ما يُرى يوصَفُ بِأنَّه في خِدمةِ غَيرِه. والمَشدودُ غَيرُ مُسَمًّى، كما لم يُسَمَّ النَّبَأُ ولا مَفعولُ العِلم. ومِهَادًا﴾ مَعَ «أَوْتَادًا» وَصفٌ واحِدٌ لِحالٍ واحِدة، أي وِطاءٌ لا يَنزاح. ثُمَّ تَعودُ الكَلِمةُ في السّورةِ نَفسِها مُسَيَّرةً تَصيرُ سَراباً، فيَتَبَيَّنُ أنَّ الثَّباتَ مَنزِلةٌ أُنزِلَتها، لا طَبعٌ فيها.