النازعات · الآية 37

﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَأَمَّا مَن طَغَىٰ

«فَأَمَّا»: أداةٌ تَقسِمُ ما جُمِعَ وتَنتَظِرُ جَوابَها

الفاءُ تَصِلُ بِما قَبلَها: يَومٌ يُستَحضَرُ فيه السَّعي، وجَحيمٌ تُبرَزُ فيه لِمَن يَرى، وقد جُمِعَ النّاسُ كُلُّهُم في ذلك الظَّرفِ الواحِد، ثُمَّ جاءَت «أمّا» فقَسَمَتِ المَجموع.

وهي أداةُ تَفصيلٍ قَبلَ أن تَكونَ أداةَ شَرط، تَأخُذُ الجُملةَ الواحِدةَ فتُفَرِّعُها فَرعَين، ولا يَتِمُّ لَها مَعنىً حتّى يَجيءَ جَوابُها بِالفاء، ولِذلك كانَت هذه الآيةُ مُعَلَّقة، ابتِداءً يُنتَظَرُ تَمامُه.

ولا يَجيءُ التَّمامُ في الآيةِ التّالية، فقد أُخِّرَ إلى ما بَعدَ آيَتَين، والمُهلةُ مَقصودة، إذ يُستَوفى الوَصفُ أوَّلاً ثُمَّ يُبَيَّنُ إلامَ يَصير، ومَن يوصَفُ قَبلَ أن يُحكَمَ عَلَيه يَعرِفُ نَفسَه في الوَصفِ قَبلَ الحُكم.

«مَن طَغَىٰ»: فَيضٌ يُجاوِزُ حَدَّه ولا يُذكَرُ عَلامَ

و«مَن» مَوصولةٌ مُبهَمة، لا اسمَ لَها ولا عَدَدَ ولا وَصفَ سِوى الفِعلِ الذي بَعدَها. وقد نَطَقَت هذه السّورةُ بِاللَّفظِ نَفسِه في صَدرِها عن واحِدٍ مُسَمّىً: إِنَّهُ طَغَىٰ﴾، ثُمَّ عادَ هُنا بِلا مُسَمّى، فصارَ ما كانَ خَبَراً عن واحِدٍ باباً مَفتوحاً.

وأصلُ ط-غ-ي انبِساطٌ ثَقيلٌ يَعلو ما تَحتَه ثُمَّ يَمتَدُّ فيُغَطّيه، ومِنه «طَغى الماءُ» إذا فاضَ فَوقَ حَدِّ مَجراه. فالطُّغيانُ في الجِذرِ مُجاوَزةُ الحَدِّ الذي كانَ يَضبِط، ولَيسَ فيه مَعنى القُوّةِ ولا البَطش، والماءُ الذي فاضَ هو الماءُ نَفسُه، غَيرَ أنَّه فارَقَ ضِفَّتَه.

وجاءَ الفِعلُ لازِماً بِلا مَفعول، فلم يُذكَرْ على مَن طَغى ولا فيمَ ولا بِمَ، وطُوِيَ الحَدُّ المُجاوَزُ كما طُوِيَ المَفعول، فيُعرَفُ أنَّ ثَمَّ حَدّاً بِأنَّه جووِز، ولا يُسَمّى، إذ لَيسَ في الفَيضِ ما يَدُلُّ على ضِفَّتِه إلّا أنَّه تَعَدّاها.


حَصيلة

تَصِلُ الفاءُ بِيَومٍ جُمِعَ فيه النّاسُ في ظَرفٍ واحِد، ثُمَّ تَأخُذُ «أمّا» ذلك المَجموعَ فتُفَرِّعُه، وهي أداةُ تَفصيلٍ لا يَتِمُّ لَها مَعنىً حتّى يَجيءَ جَوابُها بِالفاء، فتَبقى الآيةُ مُعَلَّقةً حتّى تُستَوفى الأوصاف. والمَوصوفُ «مَن»، وهو مُبهَمٌ لا اسمَ لَه ولا عَدَد، وقد نَطَقَتِ السّورةُ بِاللَّفظِ نَفسِه في صَدرِها خَبَراً عن واحِدٍ مُسَمّى، فعادَ هُنا بِلا مُسَمّىً فاتَّسَع. والفِعلُ من ط-غ-ي، ومَعناه انبِساطٌ ثَقيلٌ يَعلو ما تَحتَه ويَمتَدُّ فيُغَطّي، ومِصداقُه في الحِسِّ ماءٌ فاضَ فَوقَ حَدِّ مَجراه، فهو حَدٌّ مَتروك، لا قُوّةٌ زائِدة. وجاءَ لازِماً بِلا مَفعول، فطُوِيَ المُجاوَزُ كما طُوِيَ المُبرِزُ في الآيةِ قَبلَها، ولا يُعرَفُ لِلفَيضِ ضِفّةٌ إلّا مِن أنَّه تَعَدّاها.