النازعات · الآية 36

﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ

«وَبُرِّزَتِ»: إخراجٌ إلى العَراءِ لا يُسَمّى فاعِلُه

الواوُ هُنا عاطِفةٌ على ما قَبلَها، فالإبرازُ واقِعٌ في الظَّرفِ نَفسِه الذي يَقَعُ فيه التَّذَكُّر، فهُما حَدَثانِ في يَومٍ واحِد: نَفسٌ تَستَخرِجُ ما فيها، وشَيءٌ يُخرَجُ إلَيها.

والجِذرُ ب-ر-ز خُروجٌ من سِترٍ إلى مَكشوفٍ لا حِجابَ فيه، يُقالُ بَرَزَ إلى البَرازِ، وهو الفَضاءُ الواسِعُ لا يُواريه فيه شَيء. والبُروزُ أخَصُّ من الانتِقالِ من مَوضِع، إذ قَد يَكونُ الخُروجُ إلى سِترٍ آخَر، فهو خُروجٌ يَنتَهي إلى انكِشاف.

وجاءَ الفِعلُ على التَّفعيلِ مَبنِيّاً لِلمَفعول، فالتَّضعيفُ يُبالِغُ في الإخراجِ ويَستَقصيه، والبِناءُ لِلمَفعولِ يَطوي الفاعِل، ولِذلك ذُكِرَ ما بَرَزَ ولِمَن بَرَز، وسُكِتَ عن المُبرِز، وما خَرَجَ بِنَفسِه غَيرُ ما أُخرِج.

«الْجَحِيمُ»: ما بُنِيَ على الحَبسِ يوضَعُ في العَراء

ومادّةُ ج-ح-م تَكَتُّلٌ يَحتَبِسُ في مَضيقٍ يَحتَكُّ فيه ولا يَنفُذ، ثُمَّ يَنضَمُّ في كُتلةٍ مُتَلاصِقة، فهي نارٌ تَجتَمِعُ في بُؤرةٍ وتَنحَبِسُ فيها، لا نارٌ مُنتَشِرة، والاسمُ نَفسُه مَبنِيٌّ على الجَمعِ والحَبس.

ثُمَّ وَقَعَ عَلَيه فِعلٌ مَعناهُ الإخراجُ إلى ما لا سِترَ فيه، فاجتَمَعَت في الجُملةِ حَرَكَتانِ مُتَقابِلَتان: مادّةٌ شَأنُها الانحِباسُ في بُؤرة، وفِعلٌ شَأنُه الكَشفُ في فَضاء. وما اجتَمَعَ في مَضيقٍ إذا وُضِعَ في العَراءِ لم يَتَفَرَّق، فالذي يَزولُ عنه هو ما كانَ يَستُرُه.

وأَلِفُ اللّامِ فيه لِلعَهد، فالمُرادُ النّارُ التي سَبَقَ في الكَلامِ عِلمُها، دونَ نارٍ نَكِرة، والإبرازُ لا يُنشِئُها، فهو يُزيلُ الحائِلَ بَينَها وبَينَ العَين.

«لِمَن يَرَىٰ»: عَرضٌ عامٌّ ومَعروضٌ عَلَيه مَوصوف

واللّامُ لِلاختِصاص. والمَعروضُ عَلَيه لم يُسَمَّ ولم يُعَدَّ، واكتُفِيَ بِوَصفِه بِفِعلٍ مُضارِعٍ بِلا مَفعول: «يَرى»، وعُدِلَ عن «لِمَن يَراها»، فلَم تُقَيَّدِ الرُّؤيةُ بِمَرئِيٍّ واحِد، وهو وَصفٌ يَلزَمُ صاحِبَه قَبلَ أن يَقَعَ عَلَيه شَيء.

وأصلُ ر-أ-ي جَريانٌ يَنتَهي إلى الصّورةِ فيَقِفُ عَلَيها ثُمَّ يَمتَدُّ بِها، فالرُّؤيةُ فيه بُلوغٌ يَستَقِرّ، لا مُرورُ بَصَرٍ على سَطح، ولِذلك صَحَّ أن يوصَفَ بِها قَومٌ دونَ قَوم، والمَعروضُ واحِد.

وقَد مَرَّ الجِذرُ في هذه السّورةِ في مَقامِ عَرضٍ آخَر: فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ﴾، فهُناكَ مُرٍ يُري ومُرىً يَرُدّ، وهُنا لا مُرِيَ في اللَّفظِ ولا رادّ، فهو شَيءٌ أُخرِجَ إلى العَراء، ومَن يَرى يَرى، والإراءةُ تُقابَلُ، والبُروزُ لا يُقابَل.


حَصيلة

تُعطَفُ الآيةُ على ما قَبلَها فيَقَعُ الحَدَثانِ في ظَرفٍ واحِد: استِحضارٌ يَخرُجُ من الدّاخِل، وإبرازٌ يَرِدُ من الخارِج. والفِعلُ «بُرِّزَت» من ب-ر-ز، وهو خُروجٌ من سِترٍ إلى مَكشوفٍ لا حِجابَ فيه، جاءَ على التَّفعيلِ فاستَقصى الإخراج، ومَبنِيّاً لِلمَفعولِ فطُوِيَ المُبرِز. والمُبرَزُ «الجَحيم» من ج-ح-م، وهو تَكَتُّلٌ يَحتَبِسُ في مَضيقٍ يَحتَكُّ فيه ويَنضَمُّ في كُتلة، فاجتَمَعَ في الآيةِ ما بُنيَ على الحَبسِ وفِعلٌ بُنيَ على الكَشف، ولَم يَتَفَرَّقِ المُجتَمِعُ بِخُروجِه، وإنَّما زالَ حائِلُه. ثُمَّ حُدَّ المَعروضُ عَلَيه بِوَصفٍ دونَ اسم: «لِمَن يَرى»، بِلا مَفعولٍ لِلرُّؤية، والرُّؤيةُ في ر-أ-ي بُلوغٌ يَستَقِرُّ على الصّورة، غَيرُ مُرورٍ عَلَيها. وقد وَرَدَ الجِذرُ في السّورةِ حَيثُ أُرِيَت عَلامةٌ كُبرى فرُدَّت، فالمَعروضُ يُرَدّ، والمُبرَزُ في العَراءِ لا يُرَدّ.