النازعات · الآية 38

﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا

«وَآثَرَ»: تَقديمٌ لا يُذكَرُ مَتروكُه

الواوُ هُنا تَجمَعُ ولا تُرَتِّب، فالوَصفانِ في صِلةٍ واحِدةٍ لِمَوصولٍ واحِد، يَجتَمِعُ «طَغى» و«آثَرَ» في مَن يوصَف، ولم يُرَتَّبْ أحَدُهُما بَعدَ الآخَرِ في الزَّمان، فالآيَتانِ تُقرَآنِ مَعاً.

ومادّةُ أ-ث-ر عَلامةٌ تَنطَبِعُ في مَوضِعٍ فتَبقى بَعدَ صاحِبِها، ومِنه الأثَرُ يَدُلُّ على الماشي بَعدَ ذَهابِه. و«آثَرَ» على أفعَلَ، ومَعناه قَدَّمَ شَيئاً فمَضى في إثرِه وتَرَكَ سِواه، فالإيثارُ في جِذرِه اتِّباعٌ لِما قُدِّم، لا مَيلٌ يَقَعُ في النَّفسِ ويَقِفُ عِندَها، ومَن آثَرَ شَيئاً سارَ خَلفَه.

وحَقُّ هذا الفِعلِ أن يُعَدّى بِـ«على» فيُذكَرَ المَتروك، ولم تَذكُرْه الآية، فذُكِرَ المُقَدَّمُ وسُكِتَ عَنِ المُؤَخَّر، كما سُكِتَ في «طَغى» عَنِ الحَدِّ المُجاوَز، فهُما سُكوتانِ في آيَتَينِ مُتَتابِعَتَين، والمَوصوفُ يُعرَفُ بِما مَضى في إثرِه دونَ ما خَلَّفَ.

«الْحَيَاةَ»: خُلوصٌ يَمتَدُّ بِتَجَدُّد

والجِذرُ ح-ي-ي نُفوذٌ يَخلُصُ خارِجاً ثُمَّ يَسري مُمتَدّاً، وتَضعيفُ الياءِ يُضاعِفُ هذا الامتِدادَ فيَتَجَدَّدُ ولا يَنقَطِع، فالحَياةُ في جِذرِها إمدادٌ مُتَّصِلٌ، غَيرُ حالٍ ساكِنةٍ تُملَك.

وجاءَت مَعرِفةً مَنصوبةً مَفعولاً بِها، فالمُقَدَّمُ هو الحَياةُ نَفسُها، دونَ شَيءٍ فيها أو مَتاعٍ مِنها، وهذا أوسَعُ مِمّا لَو جاءَ «آثَرَ لَذَّةً» أو «آثَرَ مالاً». ثُمَّ جاءَ الوَصفُ بَعدَها فحَدَّها.

«الدُّنْيَا»: صيغةٌ تَقولُ إنَّ ثَمَّ أبعَدَ مِنها

وأصلُ د-ن-و ضَبطٌ يَنبَعِثُ قَريباً ثُمَّ يوصَلُ بِما يُجاوِرُه، ومِنه «دَنا» إذا اقتَرَب. و«الدُّنيا» أفعَلُ التَّفضيلِ مُؤَنَّثاً، ومَعناه الأقرَب، فالوَصفُ في بِنائِه مُقارَنة، إذ لا يُقالُ «أقرَب» إلّا وثَمَّ ما هو أبعَد.

والكَلِمةُ تَحمِلُ الطَّرَفَ الثّانيَ في صيغَتِها وإن لم تَنطِقْ بِه، ومَن قَدَّمَ الأقرَبَ فقَد قَدَّمَ واحِداً من اثنَين، والاثنانِ مَذكورانِ في هذه السّورةِ في مَوضِعٍ آخَر: نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ﴾، وقد سُمِّيا هُناكَ ولم يُرَتَّبا زَمَناً، ولا يُرَتَّبانِ هُنا، فالمَذكورُ أنَّ ثَمَّ اثنَين، لا أيُّهُما أوَّل.

ويَلتَئِمُ الوَصفانِ عِندَ حَدٍّ واحِد: «طَغى» فَيضٌ جاوَزَ حَدَّه، و«آثَرَ الأقرَبَ» تَقديمٌ لِأحَدِ طَرَفَين، ومَن لم يُبقِ لِنَفسِه إلّا الأقرَبَ فقَد أخَذَ ما يُدرَكُ وتَرَكَ ما يُقاسُ بِه.


حَصيلة

يَجتَمِعُ الوَصفانِ بِالواوِ في صِلةٍ واحِدةٍ لِلمَوصوفِ نَفسِه، والواوُ تَجمَعُ ولا تُرَتِّب. والفِعلُ من أ-ث-ر، وهو عَلامةٌ تَنطَبِعُ فتَبقى بَعدَ صاحِبِها، ومِنه «آثَرَ» على أفعَلَ، أي قَدَّمَ شَيئاً فمَضى في إثرِه وتَرَكَ سِواه، فالإيثارُ اتِّباعٌ، لا مَيلٌ يَقِفُ في النَّفس. وحَقُّه أن يُعَدّى بِـ«على» فيُذكَرَ المَتروك، ولم يُذكَر، وهذا سُكوتٌ يُشبِهُ سُكوتَ «طَغى» عَنِ الحَدِّ المُجاوَز. والمُقَدَّمُ «الحَياة» مَعرِفةً، وهي الحَياةُ نَفسُها دونَ شَيءٍ فيها أو مَتاعٍ مِنها، والحَياةُ في ح-ي-ي خُلوصٌ يَمتَدُّ بِتَجَدُّدٍ لا يَنقَطِع. ثُمَّ حَدَّها الوَصفُ بِـ«الدُّنيا» من د-ن-و، وهي أفعَلُ تَفضيلٍ مُؤَنَّثاً مَعناه الأقرَب، وصيغةُ التَّفضيلِ تَحمِلُ طَرَفاً ثانِياً لا تَنطِقُ بِه، وقد سَمَّتِ السّورةُ اثنَينِ في مَوضِعٍ آخَرَ ولم تُرَتِّبْهُما زَمَناً. فيَجتَمِعُ في الوَصفَينِ حَدٌّ جووِزَ وطَرَفٌ قُدِّم، ومَن أخَذَ الأقرَبَ وَحدَه أخَذَ ما يُدرَكُ وتَرَكَ ما يُقاسُ بِه.