النازعات · الآية 45

﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا

«إِنَّمَا أَنتَ»: قَصرٌ يَحُدُّ الوَظيفة

«إِنَّمَا» أصلُها حَرفُ تَوكيدٍ دَخَلَت عليه «ما» فكَفَّته عن العَمَل، والذي يَنشَأُ من هذا الكَفِّ قَصرٌ يُثبَتُ بِه الوَصفُ لِصاحِبِه ويُنفى عنه ما سِواه.

وجاءَ القَصرُ عَقِبَ قَصر، فالآيةُ قَبلَه حَصَرَتِ المُنتَهى في جِهةٍ واحِدةٍ بِتَقديمِ الخَبَر، وهذه تَحصُرُ الوَظيفةَ في وَصفٍ واحِدٍ بِأداةٍ ظاهِرة، فهُما حَصرانِ مُتَجاوِرانِ في جِهَتَين: ما لَيسَ إلى المُخاطَبِ عُيِّنَ مَوضِعُه، وما إلَيه عُيِّنَ حَدُّه.

و«أَنتَ» تَعودُ هُنا، وقد كانَت قَبلَ آيَتَينِ داخِلَ سُؤال: فِيمَ أَنتَ﴾، وهي هُنا داخِلَ جَوابٍ مَقصور، فالضَّميرُ نَفسُه سُئِلَ عن مَوقِعِه أوَّلاً، ثُمَّ وُضِعَ فيه.

«مُنذِرُ»: نَفاذٌ يُحمَلُ إلى غَيرِ صاحِبِه

ومادّةُ ن-ذ-ر نَفاذٌ حادٌّ يَنبَعِثُ من الباطِنِ ويَستَرسِلُ أثَراً، ومنه النَّذرُ: إلزامٌ يَنفُذُ في صاحِبِه فلا يَرجِع. فإذا دَخَلَت هَمزةُ «أفعَل» على هذا النَّفاذِ أخرَجَته إلى غَيرِه، فصارَ إنذاراً.

و«مُنذِر» اسمُ فاعِلٍ مُضاف، والإضافةُ تَحُدُّ الوَظيفةَ مَرَّةً ثانِية، إذ قُرِنَ الوَصفُ بِمَن يَقَعُ فيه إنذارُه، ولم يُترَكِ الوَصفُ مُطلَقاً يُسكَتُ بَعدَه، فحَدٌّ بِالأداةِ في الوَصف، وحَدٌّ بِالإضافةِ في المَحَلّ.

والنَّفاذُ لا يَعمَلُ إلّا فيما يَقبَلُ النُّفوذ، فالصَّيحةُ الحادّةُ تَبلُغُ العُمقَ إذا وَجَدَت مَسلَكاً، وتَرتَدُّ عن المُغلَق. ولم تَنفِ الآيةُ الإنذارَ عن سِواهُم، فالذي أثبَتَته أنَّه مُنذِرُ هؤُلاء، والوَظيفةُ تُسَمّى بِمَن تَقَعُ فيه.

«مَن يَخْشَاهَا»: أوَّلُ خَشيةٍ في السّورةِ يُسَمّى مَخشِيُّها

وأصلُ خ-ش-ي اختِراقٌ يَنتَشِرُ بِلُطفٍ في الكَيانِ فيَملَؤُه، وهو غَيرُ الخَوف، إذ الخَشيةُ تَعرِفُ ما تَخشى، فهي عِلمٌ قَبلَ أن تَكونَ وَجَلاً.

والجِذرُ عَمودٌ في هذه السّورة، فقد جاءَ أوَّلاً غايةً لِهِدايةٍ تُعرَض: وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ﴾، ثُمَّ جاءَ شَرطاً لِعِبرةٍ تُؤخَذ: إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾، والفِعلُ في المَوضِعَينِ مُطلَقٌ لا مَفعولَ لَه.

وهُنا وَحدَها يَتَّصِلُ بِه ضَمير، فالخَشيةُ التي كانَت حالاً بِلا مَحَلٍّ مُسَمّىً صارَ لَها في آخِرِ السّورةِ ما تَتَعَلَّقُ بِه، وهو الشَّيءُ نَفسُه الذي سُئِلَ عن مِيقاتِه، فقد سَأَلَ عنه قَومٌ، ويَخشاهُ آخَرون.


حَصيلة

حَرفُ تَوكيدٍ كَفَّته «ما» عن العَمَلِ فنَشَأَ القَصر، وهو إثباتُ الوَصفِ ونَفيُ ما سِواه، وقد جاءَ عَقِبَ قَصر: حُصِرَ المُنتَهى في جِهةٍ بِتَقديمِ الخَبَر، ثُمَّ حُصِرَتِ الوَظيفةُ في وَصفٍ بِأداةٍ ظاهِرة. و«أَنتَ» هو الضَّميرُ الذي سُئِلَ عن مَوقِعِه قَبلَ آيَتَين، فوُضِعَ الآنَ فيه. و«مُنذِرُ» من ن-ذ-ر، وهو نَفاذٌ حادٌّ يَنبَعِثُ من الباطِنِ ويَستَرسِلُ أثَراً، وهَمزةُ «أفعَل» تُخرِجُ هذا النَّفاذَ إلى غَيرِ صاحِبِه، ثُمَّ تَحُدُّ الإضافةُ مَحَلَّه كَما حَدَّتِ الأداةُ وَصفَه. و«يَخْشَاهَا» من خ-ش-ي، اختِراقٌ يَنتَشِرُ بِلُطفٍ في الكَيانِ فيَملَؤُه عَن عِلمٍ بِالمَخشِيّ. فالآيةُ تَجمَعُ نَفاذَينِ في آيةٍ واحِدة: نَفاذٌ يُحمَلُ من خارِجٍ إلى داخِل، ونَفاذٌ يَنتَشِرُ في الدّاخِلِ فيَتَلَقّاه. وقد وَرَدَ الجِذرُ الثّاني في السّورةِ مَرَّتَينِ قَبلَ هذا مُطلَقاً بِلا مَفعول، فجاءَ هُنا لِأوَّلِ مَرَّةٍ مُتَّصِلاً بِضَمير، إذ سُمِّيَ مَخشِيُّ الخَشيةِ في آخِرِ السّورة، وهو الذي سُئِلَ عن حينِه في أوَّلِ هذا المَقطَع.